من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْبَلَاغَةُ
المعنى
الْبَلَاغَةُ تَعْنِي الِانْتِهَاءَ، وَالْوُصُولَ، مِنْ فِعْلِ بَلَغَ الشَّيْءَ، وَوَصَلَ وَانْتَهَى، وَالْبَلَاغَةُ الْفَصَاحَةُ. وَالْبَلَاغَةُ فِي رَأْيِ الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادٍ هِيَ : « أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ صُدُورًا فَتُقَادُهُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ ». وَقَدْ ذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِهِ « الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ » تَعَارِيفَ كَثِيرَةً لِلْبَلَاغَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْهِنْدِ وَالْفُرْسِ.
وَعَرَّفَ الْبَلَاغَةَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ : « إِنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ تَخْرِيجَ اللَّفْظِ فِي حُسْنِ الْإِفْهَامِ ». ثُمَّ أَضَافَ إِلَى ذٰلِكَ مَعْنًى دِينِيًّا، بِقَوْلِهِ : « إِنَّكَ إِذَا أَثْبَتَّ لِلَّهِ حُجَّةً فِي قُلُوبِ الْمُكَلَّفِينَ، وَخَفَّضْتَ الْمَرْتَبَةَ عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ، وَتَرَسَّخَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي فِي قُلُوبِ الْمُرِيدِينَ، بِالْأَلْفَاظِ الْمُسْتَحْسَنَةِ فِي الْآذَانِ، الْمُقَرَّبَةِ عِنْدَ الْأَذْهَانِ، رَغْبَةً فِي سُرْعَةِ اسْتِجَابَتِهِمْ، وَنَفْيِ الشُّغْلِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كُنْتَ قَدْ أَقَمْتَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى الْخَصْمِ الْجَوَّابِ ». وَلَعَلَّ أَبْلَغَ مَا يُعَرَّفُ بِهِ الْبَلَاغَةُ مَا عُرِفَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَضَّلِينَ، فَقَالَ : « الْبَلَاغَةُ : أَغَانِي عَنْ التَّمَنِّي ».
وَعَرَّفَ الْعَسْكَرِيُّ الْبَلَاغَةَ بِأَنَّهَا بُلُوغُ الشَّيْءِ وَسُهُولَتُهُ، فَقَالَ : « وَالْبَلَاغَةُ فِي اللَّفْظِ : الِانْتِهَاءُ إِلَى غَايَتِهِ، فَسُمِّيَتِ الْبَلَاغَةُ بَلَاغَةً لِأَنَّهَا تَنْتَهِي بِالْمَعْنَى إِلَى قَلْبِ السَّامِعِ فَيَفْهَمُهُ ». وَسُمِّيَتِ الْبَلِيغَةُ بَلِيغَةً لِأَنَّكَ تَبْلُغُ بِهَا مَا تُرِيدُ، وَهِيَ الْإِبْلَاغُ أَيْضًا. وَالْبَلَاغَةُ كُلُّ مَا تَبْلُغُ بِهِ قَلْبَ السَّامِعِ فَتُتَمَكَّنُ مِنْ نَفْسِكَ كَتَمَكُّنِكَ فِي نَفْسِكَ، مَعَ صُورَةٍ مَقْبُولَةٍ وَمَعْرِضٍ حَسَنٍ.
إِلَّا أَنَّ الْخَطِيبِيَّ لَمْ يُعَرِّفِ الْبَلَاغَةَ تَعْرِيفًا دَقِيقًا، لِاضْطِرَابِ حُكْمِهِ عِنْدَ النُّقَّادِ، وَقَالَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَصَاحَةِ : « إِنَّ الْفَصَاحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى وَصْفِ الْأَلْفَاظِ، وَالْبَلَاغَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا وَصْفًا لِلْأَلْفَاظِ مَعَ الْمَعَانِي ».
غَيْرَ أَنَّ الْجُرْجَانِيَّ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَرَاعَةِ، أَوْ يُفَضِّلِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ حَيْثُ يَنْطِقُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ، فَقَوْلُهُ : « فَضْلُ بَعْضِ الْقَائِلِينَ عَلَى بَعْضٍ مِنْ حَيْثُ نَطَقُوا وَتَكَلَّمُوا وَأَخْبَرُوا » . السَّامِعِينَ عَنِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ ». إِلَّا أَنَّ الرَّازِيَّ لَمْ يُعَرِّفِ الْبَلَاغَةَ بِمَدْلُولِهَا الْحَقِيقِيِّ، وَهِيَ عِنْدَهُ : « أَنْ يُبْلِغَ الرَّجُلُ بِعِبَارَتِهِ مَا فِي قَلْبِهِ، مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْحَشْوِ وَالْإِطْنَابِ الْمُمِلِّ ». وَالْكَلَامُ يُسَمَّى بَلِيغًا عِنْدَ ابْنِ الْأَثِيرِ لِبُلُوغِهِ الْأَوْصَافَ اللَّفْظِيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ، وَلِسُهُولَةِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ عَلَى السَّوَاءِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّعَالِبِيِّ : « كُلُّ كَلَامٍ يَبْلُغُ نِصَابَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ فَصِيحٍ بَلِيغًا ». وَأَضَافَ بِقَوْلِهِ : « وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى شَرْطَ التَّرْكِيبِ، فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ لَا تَتَّصِفُ بِالْبَلَاغَةِ، وَلَا تَنْعَتُ بِالْفَصَاحَةِ، إِذْ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْوَصْفُ الْمُخْتَصُّ بِالْفَصَاحَةِ مِنَ الْحُسْنِ، وَأَمَّا وَصْفُ الْبَلَاغَةِ فَلَا يُوجَدُ فِيهَا لِخُلُوِّهَا مِنَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ الَّذِي يَتَنَاظَرُ لِلَّفْظِ ». وَمِنْ أَدَقِّ تَعَارِيفِ الْبَلَاغَةِ قَوْلُ السَّكَاكِيِّ فِي كِتَابِهِ «مِفْتَاحِ الْعُلُومِ» إِذْ قَالَ : « هِيَ دِقَّةُ الْمُلَاحَظَةِ فِي تَوْفِيَةِ مَقْتَضَى الْحَالِ ». وَهِيَ بَلَاغَةُ الْمُتَكَلِّمِ فِي قِيَادَةِ الْمَعَانِي حَتَّى الِاخْتِصَاصِ، وَدِقَّةُ الْمُلَاحَظَةِ فِي تَوْفِيَةِ التَّرَاكِيبِ حُقُوقَهَا، وَإِيرَادِ التَّشْبِيهِ وَالْبَدِيعِ وَالْكِنَايَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَجِهَتِهَا، وَلَحْظِ أَنْفَاسِ السَّامِعِ. هٰذَا التَّعْرِيفُ قَدِ اتَّخَذَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَدِيعِ لِأَنَّهُ يُرَى بِهِ تَرْتِيبُ الْفُنُونِ وَالْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، لَيْسَ مِنَ الْبَلَاغَةِ. وَعَرَضَ الْقَرَضِيُّ بَلَاغَةَ الْمُتَكَلِّمِ فَقَالَ : « إِنَّهَا مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى تَأْلِيفِ كَلَامٍ بَلِيغٍ ». بِهَا الْبَلَاغَةُ فِي الْكَلَامِ مَرْجِعُهَا إِلَى الِاحْتِرَازِ عَنِ الْخَطَإِ فِي تَأْدِيَةِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَأَنَّ تَمْيِيزَ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَسَّمَ الْبَلَاغَةَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : عِلْمِ الْمَعَانِي، وَعِلْمِ الْبَيَانِ، وَعِلْمِ الْبَدِيعِ؛ فَعَدَّ مَا يَحْجِزُهُ عَنِ الْخَطَإِ فِي الْمَعْنَى عِلْمَ الْمَعَانِي، وَمَا يَحْجِزُهُ عَنِ التَّعْقِيدِ الْمَعْنَوِيِّ عِلْمَ الْبَيَانِ، وَمَا يَجْلِبُ مَا بِهِ وُجُوهُ تَحْسِينِ الْكَلَامِ بَعْدَ رِعَايَةِ طَبِيعَةِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَفَصَاحَتِهِ عِلْمَ الْبَدِيعِ. وَهٰذَا مَا اعْتَمَدَهُ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ وَتَمَارَزُوا عَلَيْهِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.