من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْبَدِيعُ
المعنى
الْبَدِيعُ مِنْ بَدَعَ الشَّيْءَ: أَنْشَأَهُ وَبَدَأَهُ، وَالْبَدِيعُ: الْمُبْتَدِعُ. أَوَّلُ مَنْ أَطْلَقَ مُصْطَلَحَ الْبَدِيعِ الشَّاعِرُ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ حَسَبَ قَوْلِ أَبِي الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَهُوَ فِيمَا يَزْعُمُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ الشِّعْرَ الْمَعْرُوفَ بِالْبَدِيعِ، وَهُوَ لَقَبٌ هٰذَا الْجِنْسِ الْبَدِيعِ وَاللَّطِيفِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَأَشْهَرُهُمْ فِيهِ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ شِعْرَهُ كُلَّهُ مَذْهَبًا وَاحِدًا فِيهِ.
ثُمَّ أَضَافَ الْجَاحِظُ مُعَلِّقًا عَلَى هٰذَا الْفَنِّ فَقَالَ: «وَالْبَدِيعُ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَرَبِ، وَمِنْ أَجْلِهِ فَاقَتْ لُغَتُهُمْ كُلَّ لُغَةٍ، وَبَزَّتْ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ». وَقَدْ وَصَلَتِ الْفُنُونُ الْبَدِيعِيَّةُ فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ أَوْجَ مَجْدِهَا، إِذْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنَ الصُّوَرِ الْبَيَانِيَّةِ الَّتِي تَسْتَمِدُّ مِنَ الْبَدِيعِ، وَمِنْهُمْ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَبُو تَمَّامٍ، كَمَا اسْتَفَادَ الْكُتَّابُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُ، فَجَمَعَ إِلَى جَانِبِ حُسْنِ الْبَيَانِ حُسْنَ اللَّفْظِ وَالتَّرْصِيعِ وَالْأَسَالِيبِ الْفَاخِرَةِ، وَجَعَلَهُ جَمِيعُ الشُّعَرَاءِ الْمُحْدَثِينَ مَذْهَبًا لَهُمْ، حَتَّى صَارُوا يُكْثِرُونَ مِنْ حُسْنِ التَّصْنِيعِ، وَيُكَلِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ حُضُورَ الْبَدِيهَةِ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَبُو تَمَّامٍ، كَمَا احْتَذَى الْجَاحِظُ حَذْوَهُمَا فِي الْبَدِيعِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُحْدَثِينَ أَرْقَى نَجَاحًا مِنْهُ. وَمِمَّا جَاءَ فِي هٰذَا الْمَوْضِعِ قَوْلُ الْجَاحِظِ: إِنَّ الْبَدِيعَ كَثِيرُ الْوُرُودِ فِي الشِّعْرِ، وَشَرَحَ حُسْنَ الْبَدِيعِ، وَالْغَالِبُ يَغْلِبُ شُعُورَهُ فِي الْبَدِيعِ.
طَالَ بَحْثُ هٰذَا الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ الْعَمَلَ فِي اصْطِنَاعِهِ وَتَسَابَقُوا فِي هٰذَا الْمِيدَانِ، مِمَّا حَدَا بِابْنِ الْمُعْتَزِّ إِلَى أَنْ يُؤَلِّفَ كِتَابَ «الْبَدِيعِ»، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُحْدَثِينَ لَمْ يَسْتَبِقُوا الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْبَدِيعِ، ثُمَّ قَالَ: «وَإِنَّ حَبِيبَ بْنَ أَوْسٍ الطَّائِيَّ مَنْ يَلْطُفُ صَنْعُهُ حَتَّى يَغْلِبَ مَا يُنْتَزَعُ فِيهِ، وَأَكْثَرُ مَا فَاسَنِي فِي بَعْضِ ذٰلِكَ وَأَسَاءَ فِي بَعْضٍ»، وَذٰلِكَ عَنِ الْإِفْرَاطِ وَفِيهِ إِسْرَافٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّاعِرُ يَقُولُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَ فِي الْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ فِي الْقَصِيدَةِ، وَقَدْ قَرَأْتُ مِنْ شِعْرِ أَحَدِهِمْ قَصَائِدَ مَنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا بَيْتٌ بَدِيعٌ، وَكَانَ يُسْتَحْسَنُ ذٰلِكَ مِنْهُ إِذَا أَتَى نَادِرًا وَيَزْدَادُ حُسْنُهُ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمُرْسَلِ.
وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ ابْنُ الْمُعْتَزِّ خَمْسَةَ فُنُونٍ، وَهِيَ الِاسْتِعَارَةُ، وَالتَّجْنِيسُ، وَالْمُطَابَقَةُ، وَرَدُّ الْأَعْجَازِ عَلَى مَا تَقَدَّمَهَا، وَالْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَهَا، وَذَكَرَ إِلَى جَانِبِ هٰذِهِ الْفُنُونِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَوْعًا سَمَّاهَا «مَحَاسِنَ الْكَلَامِ وَالشِّعْرِ»، ثُمَّ جَاءَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فَفَضَّلَ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ مَا ذَكَرَهُ. ابنُ الْمُعْتَزِّ، وَمِمَّا اسْتَبْعَدَ كَالتَّقْسِيمِ، وَالتَّرْصِيحِ، وَالْمُقَابَلَاتِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالتَّضْمِينِ، وَالْمُسَاوَاةِ، وَالْإِشَارَةِ، وَلَمْ يُسَمِّهَا بَدِيعًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَنَوْعِهِ. كَمَا وَضَعَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فَصْلًا كَامِلًا فِي كِتَابِهِ «الصِّنَاعَتَيْنِ»، فَصَّلَ فِيهِ مُخْتَلِفَ الصُّوَرِ الْبَيَانِيَّةِ كَالِاسْتِعَارَةِ، وَالْمَجَازِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالتَّجْنِيسِ، وَصُوَرِ الْبَدِيعِ، خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ نَوْعًا، وَقَالَ: «فَهٰذِهِ أَنْوَاعُ الْبَدِيعِ الَّتِي أَعْلَمُهَا لَا رُؤْيَةَ وَلَا دِرَايَةَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُحْدَثِينَ ابْتَكَرُوهَا وَالْقُدَمَاءُ لَمْ يَعْرِفُوهَا». ثُمَّ أَضَافَ إِلَى الْبَدِيعِ سَبْعَةَ فُنُونٍ أُخْرَى. أَمَّا أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فَقَدْ رَأَى فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» خَمْسَةَ وُجُوهٍ وَيُمَيِّزُ فَنًّا مِنَ الْبَدِيعِ، مِنْهَا: ذِكْرُ ابْنِ حُجَّةَ الْحَمَوِيِّ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَنًّا، وَذَكَرَ الثَّعَالِبِيُّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَوْعًا مِنْ بَدِيعٍ، وَكَذٰلِكَ ابْنُ رَشِيدٍ الْبَدِيعُ، وَقَالَ: «وَالْبَدِيعُ ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَأَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا وَسِعَتْهُ الْقُدْرَةُ وَسَاعَدَتْ عَلَيْهِ الْفِكْرَةُ»، وَكَذٰلِكَ أَدْخَلَ فِي الْبَدِيعِ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ، وَشَبَّهَ بِهٰلَاءِ جَمَاعَةً الْفَارِسِيَّ الْحَرَّجَانِيَّ فَالْبَدِيعُ عِنْدَهُ فُنُونُ الْبَلَاغَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، إِذْ قَالَ: وَقَدْ أَفْرَدَ التَّفْتِيشَ وَالِاسْتِعَارَةَ وَسَائِرَ أَقْسَامِ الْبَدِيعِ»، وَهٰكَذَا تَرَاهُمْ يَعُدُّونَ فِي أَقْسَامِ الْبَدِيعِ حِينًا آخَرَ، حَيْثُ يَذْكُرُ التَّجْنِيسَ وَالتَّطْبِيقَ وَالتَّشْبِيهَ وَرَدَّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ وَغَيْرَ ذٰلِكَ. حِينَ أَتَى ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ «إِعْجَازُ الْقُرْآنِ» كَثِيرًا مِنْ فُنُونِ الْبَدِيعِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَلِجُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْإِعْجَازِ مِنَ الْبَدِيعِ الَّذِي يَدَّعِيهِ فِي الشِّعْرِ وَنَحْوِهِ»، وَذٰلِكَ أَنَّ هٰذَا الْفَنَّ لَيْسَ فِيهِ مِمَّا يَخْرِقُ الْعَادَةَ وَيُخْرِجُ عَنِ الْعُرْفِ، بَلْ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْعِلْمِ وَالدُّرْبَةِ. وَلِدَلِيلِ مَا لَكِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطْلَقَ مُصْطَلَحَ «الْبَدِيعِ» عَلَى هٰذِهِ الْوُجُوهِ وَالْمُحَسِّنَاتِ، ثُمَّ قَالَ عَنِ الْبَدِيعِ: «إِنَّهُ تَوَابِعُ الْفَصَاحَةِ»، وَسَمَّاهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: يَعُودُ إِلَى الْفَصَاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَنًّا. الثَّانِي: يَعُودُ إِلَى الْفَصَاحَةِ، وَيَخْتَصُّ بِإِفْهَامِ الْمَعْنَى وَتَبْيِينِهِ، وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ فَنًّا. الثَّالِثُ: يَعُودُ إِلَى الْفَصَاحَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ وَتَزْيِينِهِ، وَهُوَ سَبْعَةُ فُنُونٍ. إِلَّا أَنَّ الْقَزْوِينِيَّ نَحَا الْبَدِيعَ عَنِ الْبَلَاغَةِ الَّتِي حَصَرَهَا فِي الْبَيَانِ وَالْمَعَانِي، وَجَعَلَ الْبَدِيعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٍ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْمَعْنَى كَالْمُطَابَقَةِ وَمُرَاعَاةِ النَّظِيرِ وَالْإِرْصَادِ، وَضَرْبٍ آخَرَ يَعُودُ إِلَى اللَّفْظِ كَالْتَّجْنِيسِ وَرَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ وَالسَّجْعِ. وَنَخْلُصُ إِلَى أَنَّ فَنَّ الْبَدِيعِ هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ وُجُوهُ تَحْسِينِ الْكَلَامِ، بَعْدَ رِعَايَةِ تَطْبِيقِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْحَالِ وَوُضُوحِ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مُتَابِعٌ لِعِلْمَيِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.