من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الأَمْرُ
المعنى
الأَمْرُ نَقِيضُ النَّهْيِ، يُقَالُ: أَمَرْتُ أَمْرًا فَأَنَا آمِرٌ، أَيْ قُلْتُ أَمْرًا، وَالأَمْرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِعْلَاءِ وَالإِلْزَامِ. وَقَدْ عَرَّفَ الْعَلَوِيُّ الأَمْرَ بِقَوْلِهِ: هُوَ صِيغَةٌ تَسْتَدْعِي الْفِعْلَ، أَوْ قَوْلٌ يُنْبِئُ عَنْ اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾(١) عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾(٢) عَلَى الْإِهَانَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾(٣)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾(٤)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾(٥)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٦)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(٧). وَالأَمْرُ مِنْ جُمْلَةِ الْجُمَلِ الْإِنْشَائِيَّةِ الطَّلَبِيَّةِ الَّتِي يَبْحَثُهَا عُلَمَاءُ الْمَعَانِي وَعُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ، فَقَدْ وَضَعَ لَهُ السُّيُوطِيُّ لَهُ سِفْرًا خَاصًّا، وَتَحَدَّثَ عَنْهُ التِّبَابِيُّ وَالسَّكَاكِيُّ وَالْمَرْوَزِيُّ وَابْنُ النَّقِيبِ، وَيُؤْتَى صُورَةُ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ. فَالِاخْتِلَافُ: زَعْمُ التَّكْرَارِ وَالْفُرُوقِ فِي الأَمْرِ بِنَاءً عَلَى نَوْعِ الْمَقْصُودِ، وَلِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مِنَ الطَّلَبِ وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَهْمِ لِلْتَّحْصِيلِ.
وَلَعَلَّ ابْنَ فَارِسٍ كَانَ مِنْ أَوَائِلِ الَّذِينَ عُنُوا بِبَابٍ بِاسْمِ «بَابِ مَعَانِي الْكَلَامِ»، وَعَرَّفَ الأَمْرَ بِقَوْلِهِ: «الأَمْرُ: هُوَ الْفِعْلُ مِنْ لَفْظِ أَفْعِلْ وَافْعَلْ، مَا إِذَا لَمْ يَفْضُلِ الْمَأْمُورُ سِوَى الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصِيًا»، وَيَكُونُ بِلَفْظِ: «افْعَلْ» وَنَحْوِهِ. وَتَحَدَّثَ عَنِ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْمِلُهَا لَفْظُ الأَمْرِ، مِنْ خَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَأَمْرِ رَغْبَةٍ، وَدُعَاءٍ، وَطَلَبٍ، وَعَرْضٍ، وَتَحْضِيضٍ، وَمِنَنٍ، وَتَعَجُّبٍ. وَلِلْأَمْرِ صِيَغٌ أَرْبَعٌ:
الأُولَى: فِعْلُ الأَمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(٧).
الثَّانِيَةُ: الْمُضَارِعُ الْمَقْرُونُ بِلاَمِ الأَمْرِ، كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [الطَّوِيل]
كَذَا فَلْيَجِلِّ الْخَطْبُ وَلْيَفْرَحِ الأَمْرُ ... فَلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ مَاؤُهَا عُذْرُ
الثَّالِثُ: اسْمُ فِعْلِ الأَمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(٨)، وَمِنْهُ «آمِينَ» بِمَعْنَى: اسْتَجِبْ، وَ«رُوَيْدَ» بِمَعْنَى: مَهْ، وَ«هَلُمَّ» بِمَعْنَى: تَعَالَ. أَكْثَفَ، وَرَصَّةٍ، بِمَعْنَى: اسْتَكْثَرَ، وَنَزَالٍ، وَدَرَاكٍ، وَرَوْدٍ.
الرَّابِعُ: الْمَصْدَرُ الثَّانِي عَنْ فِعْلِ الأَمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»(١).
الأَمْرُ لِلإِبَاحَةِ
مِنَ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ الَّتِي يُخْرَجُ إِلَيْهَا الأَمْرُ لِلإِبَاحَةِ، وَهُوَ مِنَ الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَنَبَّهَ لَهَا عُلَمَاءُ النَّحْوِ، فَنَسَبُوهُ؛ يَقُولُ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ بَابِ «أَوْ» مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ: تَقُولُ: جَالِسْ عُمَرَ، أَوْ زَيْدًا، أَوْ عَبْدَ اللهِ، أَوْ شَيْئًا، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ؛ قَالَ: جَالِسْ أَحَدَ هَٰؤُلَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ إِنْسَانًا بِعَيْنِهِ، فَهٰذَا دَلِيلٌ أَنَّ كُلَّهُمْ أَهْلٌ لِلْجُلُوسِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: جَالِسْ هٰذَا الضَّرْبَ مِنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الإِبَاحَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُنْفُوحِيِّ: [ الطَّوِيلُ ]
إِذَا مَا انْتَهَى عُمْرِي تَسَامَحْتُ عِنْدَهُ ... أُطِيلُ فَأَمْلِي أَوْ تَسَاهَى فَأَقْصِرَا
فَفِي هٰذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ جَلِيٌّ عَلَى الإِبَاحَةِ فِي انْتِهَاءِ الْعُمْرِ، إِمَّا أُطِيلَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ. وَفِي هٰذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى الإِبَاحَةِ فِي انْتِهَاءِ الْعُمْرِ، وَعَلَى لَفْظِ الأَمْرِ وَهُوَ لِلإِبَاحَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا»(٢)، كَمَا نَصَّ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمُقْتَصِدِ» عَلَى نَصِّ السَّرَفِ فِيهَا بِالإِبَاحَةِ، يَقُولُ: إِنَّهَا نَصٌّ فِي الإِبَاحَةِ. وَعَلَى نَصِّهِ فِي كِتَابِهِ «الْمُقْتَصِدِ» أَيْضًا نَصًّا آخَرَ فِي مَعْنَى الإِبَاحَةِ، وَذٰلِكَ قَوْلُكَ: «جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِين»، وَ«ادْخُلِ الْمَسْجِدَ أَوِ السُّوقَ»، أَيْ قَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي مُجَالَسَةِ هٰذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ فِي إِحْدَى هٰذِهِ الْمَوَاضِعِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمَرْزُوقِيُّ الأَمْرَ لِلإِبَاحَةِ نَحْوَ: «جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنِ سِيرِين» فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، وَعَرَّفَ الأَمْرَ بِالإِبَاحَةِ يَقُولُ: وَجْهُ حُسْنِهِ إِظْهَارُ الرِّضَا بِوُقُوعِ الدَّاخِلِ تَحْتَ لَفْظِ الأَمْرِ حَتَّى كَأَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ كَثِيرٍ لِمَمْدُوحِهِ إِذْ لَا تَتَغَايَرُ حَالُهُ مَعَهُ فِي الْحَالَيْنِ مِنَ الإِسَاءَةِ وَالإِحْسَانِ: [ الطَّوِيلُ ]
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْبُوحَةً إِنْ تَقَلَّبَا
وَمِنَ الأَمْرِ لِلإِبَاحَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»(٣).
(١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٣).
(٢) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٣).
(٣) سُورَةُ الأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣١). الأَمْرُ لِلاِخْتِبَارِ سَمَّاهُ القَزْوِينِيُّ «الأَمْرَ لِلإِهَانَةِ»، وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾(١)، وَكَذٰلِكَ جَاءَ فِي كِتَابِ «الطِّرَازِ» لِابْنِ حُمَيْدٍ بْنِ حَمْزَةَ العَلَوِيِّ مِنْ دُونِ غَيْرِهِ.
الأَمْرُ لِلإِرْشَادِ
أَشَارَ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ «عُرُوسُ الأَفْرَاحِ» إِلَى هٰذَا النَّوْعِ مِنَ الأَمْرِ لِلإِرْشَادِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾(٢)، وَكَذٰلِكَ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «مُعْتَرَكُ الأَقْرَانِ»، وَدَوْرُهُ أَنْ يَذْكُرَ تَعْرِيفًا لَهُ، وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ بِالْآيَةِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ، وَذَكَرَ العُلَوِيُّ تَحْتَ اسْمِ الْمَعَانِي الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ عَلَى جِهَةِ المَجَازِ، وَتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٣).
الأَمْرُ لِلاِعْتِبَارِ
ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ «عُرُوسُ الأَفْرَاحِ» الأَمْرَ لِلاِعْتِبَارِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ٱنْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾(٤)، وَكَذٰلِكَ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «مُعْتَرَكُ الأَقْرَانِ» فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ إِنَّ حُمَيْدَ بْنَ حَمْزَةَ العَلَوِيَّ ذَكَرَهُ أَيْضًا تَحْتَ ذِكْرِ الْمَعَانِي الْمُسْتَعْمَلَةِ عَلَى جِهَةِ المَجَازِ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾(٥)، وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾(٦)، أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الأَيَّامِ الْغَابِرَةِ.
الأَمْرُ لِلإِكْرَامِ
أَشَارَ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ «عُرُوسُ الأَفْرَاحِ» إِلَى الأَمْرِ لِلإِكْرَامِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ وَقَالَ:
(١) سُورَةُ الإِسْرَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٠).
(٢) سُورَةُ البَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٨٢).
(٣) سُورَةُ غَافِرٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٠).
(٤) سُورَةُ الأَنْعَامِ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٩).
(٥) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، آيَةٌ رَقْمُ (١٠٢).
(٦) سُورَةُ المُلْكِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٥). وَهُوَ أَيْضًا الْإِبَاحَةُ، كَمَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « الطِّرَازِ الْمُتَضَمِّنِ لِأَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ وَعِلْمِ حَقَائِقِ الْإِعْجَازِ »، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾(١) وَتَقُولُ أَيْضًا: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾(٢).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.