من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِالْتِفَاتُ
المعنى
الِالْتِفَاتُ مِنْ نَفْلِ لَفْتٍ، وَلَفَتَ وَجْهَهُ عَنِ الشَّيْءِ: صَرَفَهُ. عَرَّفَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ الِالْتِفَاتَ فَقَالَ: « الْالْتِفَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْرَعَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْمَعْنَى، فَيُرِيدَ أَنْ يُجَدِّدَ نَشَاطَ السَّامِعِ فَيَعْدِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَالضَّرْبُ الآخَرُ: أَنْ يَكُونَ الشَّاعِرُ آخِذًا فِي مَعْنًى، وَكَأَنَّهُ يَعْرِضُهُ شَكٌّ أَوْ ظَنٌّ أَنَّ رَادًّا يَرُدُّ قَوْلَهُ أَوْ سَائِلًا يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِهِ، فَيَعُودُ رَاجِعًا إِلَى مَا بَدَأَهُ ». وَمِمَّا جَاءَ عَلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ قَوْلُ جَرِيرٍ: [الْوَافِرُ]
أَتَنْسَى إِذْ نُرَوِّعُهَا سَلِيمَى ... بِعُودِ شَامَةٍ سَقْيَ الشَّآمِ
أَيْ: سَقَى اللَّهُ الشَّآمَ. وَالضَّرْبُ الآخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الْمُعَطَّلِ الْهُذَلِيِّ: [الطَّوِيلُ]
تُبَيِّنُ صَلَاةُ الْحَرْبِ بُغْضًا وَحُبَّهُمْ ... إِذَا مَا الْتَقَيْنَا وَالْمُسَالِمُ بَادِنُ
فَقَوْلُهُ: « وَالْمُسَالِمُ بَادِنٌ » يَرْجِعُ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَهُ، حَتَّى بَيَّنَ أَنَّ عِلَامَةَ صَلَاةِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْمُسَالِمَ بَادٍ وَالْمُحَارِبَ ضَامِرٌ. وَكَذٰلِكَ عَرَفَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ يَقُولُ: يَكُونُ هٰذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنْ صِيغَةٍ إِلَى صِيغَةٍ، كَأَنْ يُنْتَقَلَ مِنْ خِطَابِ حَاضِرٍ إِلَى غَائِبٍ، أَوْ مِنْ خِطَابِ غَائِبٍ إِلَى حَاضِرٍ، أَوْ مِنْ فِعْلٍ مَاضٍ إِلَى مُسْتَقْبَلٍ، أَوْ مِنْ مُسْتَقْبَلٍ إِلَى مَاضٍ، كَقَوْلِ الْخَنْسَاءِ: [الْوَافِرُ]
وَمَا يَبْكِيهِ مِثْلُ أَخِي وَلَكِنْ ... أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
وَيُسَمَّى أَيْضًا « سِجَاعَةَ الْعَرَبِيَّةِ »، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذٰلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَةَ هِيَ الْالْتِفَاتُ، وَذٰلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ السَّمَاعَ يُرْكِبُ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: فِي الرُّجُوعِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَالْعَكْسِ، وَمِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾(١) عَطْفًا عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَوْضِعُ الْتَقَرُّبِ مِنَ اللَّهِ، يَذْكُرُ نِعَمَهُ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْرِ الْغَضَبِ جَاءَ بِاللَّفْظِ مُنْحَرِفًا عَنْ ذِكْرِ الْمَغْضُوبِ، فَأَسْنَدَ النِّعْمَةَ إِلَيْهِ لِطَافَةً، وَرُوِيَ عَنْهُ الْغَضَبُ تَحْتَنَا وَلُطْفًا.
الثَّانِي: فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى فِعْلِ الْأَمْرِ، وَالْعَكْسِ، كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ: « أَشْهَدُ عَلَى أَنِّي أَجْهَدُ فِي حُكْمِهَا، وَاسْتِهَابَتِهِ بِحَالِهِ ».
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَالْعَكْسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾(٢)، فَإِنَّهُ أَيْضًا قَالَ: ﴿ فَنُشِرَ ﴾ مُسْتَقْبَلًا، وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مَاضٍ.
وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ يَقُولُ: « هُوَ انْصِرَافُ الْمُتَكَلِّمِ عَنِ الْإِخْبَارِ إِلَى الْمُخَاطَبَةِ، وَمِنَ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْإِخْبَارِ ». وَكَذٰلِكَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ ارْتَضَى مَذْهَبَهُ. أَمَّا قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فَذَهَبَ مَذْهَبَ الْعَسْكَرِيِّ، وَفِعْلُ مِثْلِهِ ابْنُ حُجَّةَ الْحَمَوِيِّ يَقُولُ: « هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ أَخَذَ فِي مَعْنًى فَيَعْرِضُهُ إِمَّا شَكٌّ فِيهِ أَوْ ظَنٌّ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِهِ، فَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُجْلِيَ الشَّكَّ أَوْ يُؤَكِّدَهُ أَوْ يَذْكُرَ سَبَبَهُ ». وَنَقْلُ تَعْرِيفِهِ هٰذَا التِّبْيَانِيِّ، وَقَالَ فِي بَدِيعَتِهِ: [ الْبَسِيطُ ]
عَلَى الْهَوَى قَدْ نَحَانِي لِأَخِي سَفَهًا ... أَقْصِرْ عَذَلْتَكَ إِنِّي عَنْكَ فِي صَمَمٍ
(١) سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧).
(٢) سُورَةُ فَاطِرٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٩).
٣٠٨ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [الْبَسِيطُ]
وَمَا أُرَوِّعُ بَعْثًا عِنْدَ تَذْكُرِهِمْ ... وَأَنْتِ يَا ظَبْيَ أَدْرَى بِالتَّهَاجُرِهِمْ
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: «وَالْعَرَبُ تَتْرُكُ مُخَاطَبَةَ الْغَائِبِ إِلَى مُخَاطَبَةِ الشَّاهِدِ، وَمُخَاطَبَةَ الشَّاهِدِ إِلَى مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ». وَكَذٰلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾(١) كَانَتِ الْمُخَاطَبَةُ لِلْأَدْنَى، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، لِهٰذَا أَدْخَلَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي بَابٍ مِنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا وَهْبٍ سَمَّاهُ «الصَّرْفَ»، وَقَالَ: «وَإِذَا الصَّرْفُ فَإِنَّهُمْ يَصْرِفُونَ الْقَوْلَ مِنَ الْمُخَاطَبِ إِلَى الْغَائِبِ، وَمِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْجَمَاعَةِ». إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْقِذِ سَمَّاهُ «الِاعْتِرَاضَ»، وَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، وَمِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْخَبَرِ». وَسَمَّاهُ الصَّفَدِيُّ «الِاعْتِرَاضَ»، لٰكِنَّهُ عَرَّفَهُ تَعْرِيفًا آخَرَ، وَهُوَ الِانْصِرَافُ عَنِ الْإِخْبَارِ إِلَى الْمُخَاطَبَةِ، وَعَنِ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْإِخْبَارِ، ثُمَّ أَضَافَ قَائِلًا: «وَقِيلَ: الِالْتِفَاتُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ آخِذًا فِي مَعْنًى فَيَعْدِلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ». وَبِهِ تَطَوَّرَتِ الْبَلَاغَةُ، بَدَأَ الِالْتِفَاتُ يَأْخُذُ مَعْنًى دَقِيقًا، وَبَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّتْ عُرْفُ الْأَدَبَاءِ عَرَّفَ الْالِالْتِفَاتَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ الْعُدُولُ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ»، كَمَا أَدْخَلَهُ السَّكَاكِيُّ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَقَالَ: «إِنَّ هٰذَا النَّوْعَ - أَعْنِي نَقْلَ الْكَلَامِ عَنِ الْحِكَايَةِ إِلَى الْغَيْبَةِ - لَا يَخُصُّ الْقَصَصَ وَحْدَهُ، وَلَا مَدَارَ لَهُ فِي الْحِكَايَةِ وَالْخِطَابِ وَالْبِنْيَةِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى الْآخَرِ»، يُسَمَّى هٰذَا النَّقْلُ «الِالْتِفَاتَ» عِنْدَ عُلَمَاءِ عِلْمِ الْمَعَانِي. وَقَدْ بَيَّنَ الشُّوكَانِيُّ أَنَّ الْعَرَبَ يَسْتَكْثِرُونَ مِنْهُ، وَيَرَوْنَ الْكَلَامَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى أُسْلُوبٍ آخَرَ أَقْبَلَ عِنْدَ السَّامِعِ، وَأَحْسَنَ نَظَرًا لِنَشَاطِهِ، وَأَمَلًا بِاسْتِدْرَارِ إِصْغَائِهِ. وَيَرَى السَّكَاكِيُّ أَنَّ الِالْتِفَاتَ قَدْ يَنْتَقِلُ بِالْجُمْلَةِ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي الْبَدِيعِ، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْمَعَانِي مَقْرُونًا بِعِلْمِ الْبَدِيعِ تَارَةً أُخْرَى. وَعَرَّفَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ الِالْتِفَاتَ، وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاحْتِرَاسِ بِقَوْلِهِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاحْتِرَاسِ وَالِالْتِفَاتِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ وَالِانْفِصَالَ يَكُونَانِ فِي الِاحْتِرَاسِ فِي بَيْتٍ ...
(١) سُورَةُ يُونُسَ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٢). وَنَحْرِفُونِي بَيْنَ حَرْفٍ وَفِي آيَةٍ وَفِي آيَتَيْنِ، وَالِالْتِفَاتُ لَا يَكُونُ دُونَهُ إِلَّا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَآيَةٍ وَاحِدَةٍ. وَنَخْلُصُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْبَلَاغَةِ الْأُخْرَى أَوْسَعُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْخَزْرَجِيُّ رَجَعَ إِلَى السَّكَاكِيِّ، وَأَدْخَلَ الِالْتِفَاتَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَتَبِعَهُ شُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ كَالْقَزْوِينِيِّ وَالتَّفْتَازَانِيِّ وَالسُّيُوطِيِّ وَالِاسْفَرَائِينِيِّ. أَمَّا الْآخَرُونَ لَمْ يَتْبَعُوا السَّكَاكِيَّ، فَقَدْ بَحَثُوهُ فِي بَابٍ مُسْتَقِلٍّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا عَلَى الِاتِّجَاهِ الْعَامِّ الَّذِي سَادَ بَعْدَهُمْ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.