من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاقْتِضَابُ
المعنى
الِاقْتِضَابُ مِنَ النَّقْضِ، يَعْنِي: الْقَطْعَ، وَالِاقْتِضَابُ: أَخْذُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ. وَقَدْ عَرَّفَ الْعَسْكَرِيُّ الِاقْتِضَابَ يَقُولُ: « الِاقْتِضَابُ أَخْذُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ »، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: اقْتَضَبَ النَّصْلَ إِذَا قَطَعَهُ مِنْ شَجَرَتِهِ، وَفِيهِ مَعْنَى السُّرْعَةِ أَيْضًا.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْبَلَاغِيِّينَ الِاقْتِضَابُ هُوَ الِاسْتِئْنَافُ، وَقَدْ مَرَّ فِيمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ الْآخَرَ جَعَلَهُ خِلَافَ التَّخَلُّصِ، وَذٰلِكَ أَنْ يَقْطَعَ الشَّاعِرُ كَلَامَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسُوقَ كَلَامًا آخَرَ غَيْرَ مَا مَضَى أَوْ سَيَمْضِي، وَلَا تَكُونُ لِلنَّاعِي عَلَاقَةٌ بِالْأَوَّلِ، وَهٰذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْعَرَبُ وَالْمُحْدَثُونَ فِيمَا بَعْدُ. وَقَدْ أَتْبَعَ الْمُحْدَثُونَ فِي التَّخَلُّصِ، وَأَظْهَرُوهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ عَرَّفَهُ التِّيفَاشِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الِاقْتِضَابَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى غَيْرِهِ بِكَلِمَةٍ تَدُلُّ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْحِقَ بَعْضَ الْكَلَامِ بِبَعْضٍ، وَهُوَ غَالِبًا بِقَوْلِهِمْ: « أَمَّا بَعْدُ »، وَقَوْلِهِمْ: « وَبَعْدُ » وَكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْوَهُمَا. وَقَدْ جَعَلَ هٰذَا « فَصْلَ الْخِطَابِ ». وَفَصْلُ الْخِطَابِ حَقِيقَتُهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْضًا مِنْ بَعْضٍ، وَالْإِبَانَةُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ وَمَعَ مَا يُنَاسِبُهُ، وَلَعَلَّهُ خُلَاصَةُ عِلْمِ الْبَيَانِ.
أَمَّا الْقُرْطُبِيُّ فَقَدْ عَرَّفَهُ يَقُولُ: « وَقَدْ يَنْتَقِلُ مِنَ الْفَنِّ الَّذِي يُشَبَّهُ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ نَسِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَى مَا لَا يُنَاسِبُهُ، وَيُسَمَّى ذٰلِكَ الِاقْتِضَابَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَرَبِ الْأَوَّلِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحْدَثِينَ ».
فَمِنَ الِاقْتِضَابِ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ فِي قَصِيدَتِهِ النُّونِيَّةِ: [ الرَّمَلُ ]
فَاسْقِنِي كَأْسًا عَلَى عَذَلٍ ... كَرِهْتُ مَسْمُوعَةً أُذْنِي
مِنْ كَئِيبِ السُّلُوِّ صَابِيَةً ... خَمْرًا مَا سَلَسَتْ فِي بَدَنِي
وَأَتَى التِّيفَاشِيُّ هٰذَا الْفَنَّ بِـ « فَصْلِ الْخِطَابِ » فَقَالَ: وَمِنَ الِاقْتِضَابِ مَا يَقْرُبُ مِنَ التَّخَلُّصِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: « أَمَّا بَعْدُ »، وَقِيلَ: هُوَ « فَصْلُ الْخِطَابِ »؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾(١)، وَمِثْلُ قَوْلِ الْكَاتِبِ: « هٰذَا بَابٌ ... ». وَقَدْ سَارَ كُلٌّ مِنَ الْعُلَمَاءِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وَالْبِسْكِيِّ، وَالثَّقَفَانِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ، وَالْإِسْفَرَائِينِيِّ عَلَى هٰذَا. وَالْمَغْرِبِيُّ عَلَى مَنْهَجِ التَّوَخِّي، وَمِنْ أَبْلَغِ مَا قِيلَ فِي هٰذَا الْبَابِ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ يَمْدَحُ الْمُنْتَقِي بْنَ خَاقَانَ بَعْدَ الِانْتِصَافِ الْعَسِرِ: [ الطَّوِيلُ ]
مَتَى لَجَّ حَقٌّ أَوْ إِذَا طُلِبَ الْقِصَاصُ ... جَرَى مُسْتَهِلًّا لَا بُكِيًّا وَلَا نُزُرَا
فَقَضَّ لَا يَزَالُ الْحُكْمُ بَيْنَ رِبَاعِهِ ... أَبَاكَ لَهُ بَضٌّ وَأُمُّهُ خَضِرَا
وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيهِ، إِذْ تَخَلَّصَ إِلَى الْمَدِيحِ عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِضَابِ يَقُولُ:
لَنِعْمَ مَا النَّأْيُ بَيْنَ الْحَدِّ إِنْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ جَرَىٰ وَارِدَ الشَّفَرِ
نُلَاحِظُ أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنَ النَّسِيبِ إِلَى الْمَدِيحِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَا، وَقَدْ عَرَّفَ السِّجِلْمَاسِيُّ الِاقْتِضَابَ يَقُولُ: « هُوَ اقْتِضَابُ الدَّلَالَةِ ».
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.