من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاقْسَامُ
المعنى
الِاقْسَامُ مِنَ الْقَسَمِ إِذَا حَلَفَ، وَتَقَاسَمَ الْقَوْمُ: تَحَالَفُوا، وَقَدْ عَرَّفَهُ الْعُلَوِيُّ يَقُولُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يُحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ، بِمَا فِيهِ تَعْظِيمٌ، أَوْ مَدْحٌ، أَوْ تَفْخِيمٌ، أَوْ تَكْرِيمٌ، أَوْ يُؤَكِّدَهُ، أَوْ غَيْرُ ذٰلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ رَشَاقَةٌ فِي الْكَلَامِ وَتَحْسِينٌ لَهُ، وَلَنَذْكُرَ مِنْ ذٰلِكَ مَا هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ أُمُورٌ خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: الِامْتِنَانُ وَالْفَخْرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الِامْتِنَانِ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، فَأَمَّنَّ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكَّدَ امْتِنَانَهُ بِمَا قَرَّرَهُ مِنَ الْقَسَمِ. (١) سُورَةُ الذَّارِيَاتِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٣). وَثَانِيهَا: الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْكَامِلُ]
يَحْفِزُ وَيَغْرِي وَيَنْحَرِفُ عَنِ الْمَثَلِ وَلَطِيفُ أَصْبَاغٍ يَسْحَقُهُ عَبُوسُ
إِنْ لَمْ تَأْتِ عَلَى ابْنِ حَيْدَرَ غَارَةً لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِنْ نِيَابِ نُفُوسِ.
فَضَمَّنَ هٰذَا الْقَسَمَ عَلَى الْوَعِيدِ مَا فِيهِ انْفِجَارٌ مِنَ الْجُودِ وَالْعِرْفِ وَالسُّؤْدُدِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّلَامَةِ، وَهٰذَا الرَّجُلُ كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
وَثَالِثُهَا: الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْكَامِلُ]
آثَارُ جُودِكَ فِي الْمَغَارِبِ تُشْرِقُ وَجُودُكَ فِي الْمَشَارِقِ لَا يُنْكَرُ.
فَفِي قَوْلِهِ هٰذَا مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.
وَرَابِعُهَا: تَعْظِيمُ الْقَدْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هُنَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ الرَّسُولِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَرَبْطًا لِحَالِهِ.
وَخَامِسُهَا: مَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ التَّهَزُّلِ، وَمِثَالُهُ مَا قَالَهُ: [الطَّوِيلُ]
حَجَرٌ تَتَكَسَّرُ وَالْفُؤَادُ طِفْلَةٌ فَظَلَلْتُ إِذَا مَا يَبْكِي عَلَيَّ يَبْتَهِجُ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي كَسَمْعِي وَسَمْعِي فَلَا تَنْظُرَا عَيْنِي وَلَا سَمِعَتْ أُذُنِي.
فَقَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي كَسَمْعِي» فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَسَمِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَا عَلَى جِهَةِ النُّبْلِ وَالْإِعْجَابِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ سَمْعِي، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ صَادِقًا فِيمَا قُلْتُ أَعْمَى اللَّهُ عَيْنِي وَأَصَمَّ سَمْعِي.
وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ وَارِدًا عَلَى جِهَةِ الزَّجْرِ وَالْهَدْيِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلُ]
خَلَفْتُ مِنْ سُفْلَى السَّمَاءِ وَرَصْدَهَا وَمَنْ فَرْجِ الْمُغْبَرَّيْنِ يَلْتَقِفَانِ.
فَهٰذَا الْبَيْتُ الْمَعْنِيُّ فِيهِ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الشَّتْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِعْظَامِ فِي الْمَدْحِ؛ أَمَّا التِّبْرِيزِيُّ فَسَمَّاهُ «الْقَسَمَ»، وَعَرَّفَهُ الْبَغْدَادِيُّ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يَقْسِمَ الشَّاعِرُ أَوْ يُحَلِّفَ غَيْرَهُ بِأَقْسَامٍ تَتَعَلَّقُ بِغَرَضِهِ الْمَقْصُودِ مُعْتَمِدًا بِذٰلِكَ الْإِبْلَاغَ فِيمَا يَنْظِمُ». وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ الْبَصِيرِ مَعْرُوفًا بْنِ بَلْعِي بْنِ الْجَهْمِ: [الْكَامِلُ]
أَكْذِبْتُ أَخْبَارًا مَا يَظُنُّ مُخَيِّلِي وَهَدَمْتُ مَا شَادَتْ لِي أَسْلَافِي.
(١) سُورَةُ الْحِجْرِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٢). أَمَّا الْمِصْرِيُّ فَتَعْرِيفُهُ يُشْبِهُ تَعْرِيفَ الْبَغْدَادِيِّ، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ الْحَلِفَ عَلَى شَيْءٍ، فَيُفَضِّلَ مَا يَكُونُ لَهُ حَالًا وَمَا يَكْسِبُهُ فَخْرًا، أَوْ لَا، أَوْ يَكُونَ هِجَاءً لِغَيْرِهِ، أَوْ دُعَاءً لَهُ، أَوْ إِخْبَارًا يَجْرِي مَجْرَى النُّزُولِ وَالنَّزْفِ، أَوِ الْفَرَقِ، أَوْ إِخْرَاجًا مُخْرِجَ الْمَوْعِظَةِ وَالزُّهْدِ». وَوَافَقَ هٰذَا التَّعْرِيفَ تَعْرِيفَاتُ ابْنِ مَالِكٍ، وَالْحَلَبِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَابْنِ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيِّ، وَالسُّيُوطِيِّ، وَعَرَّفَهُ السَّكَّرِيُّ فَقَالَ: «هُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْمُرَادِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ، أَوْ غَيْرُ ذٰلِكَ مِمَّا يُنَاسِبُهُ». وَعَنْ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَنَّهُ عَرَّفَهُ تَعْرِيفًا نَحْوِيًّا فَقَالَ: «هُوَ عِنْدَ النُّحَاةِ جُمْلَةٌ يُؤَكَّدُ بِهَا الْخَبَرُ»، إِلَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ عَنِ التَّعْرِيفِ الْبَدِيعِيِّ، إِلَّا أَنْ نُعَرِّفَهُ عَلَى جِهَةِ أَنَّ حِكَايَةَ الْقَسَمِ حِكَايَةُ حَالٍ وَاقِعَةٍ، وَلَيْسَ نَفْيًا كَبِيرًا، وَلٰكِنْ تَقَرَّرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُعَارَضَةِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَسَمَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْشَاءِ أَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ، لٰكِنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْإِخْبَارِ. فَهٰذَا الْفَنُّ يُسَمِّيهِ الْعُلَوِيُّ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي تَرَدَّدَ عِنْدَ سَائِرِ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ بِاسْمِ «الْقَسَمِ»، وَمِنْهُمْ الْجُرْجَانِيُّ، فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، وَفَرْحَاتُ فِي «بُلْغَةِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ»، وَلِلثَّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نُقْحَاتِ الْأَزْهَارِ فِي سِمَاتِ الْأَسْحَارِ».
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.