من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْإِفْرَاطُ فِي الِاسْتِعَارَةِ
المعنى
عَرَّفَ الْإِفْرَاطَ فِي الِاسْتِعَارَةِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا يَسْتَحْسِنُونَ الِاسْتِعَارَةَ الْقَرِيبَةَ، وَعَلَى ذٰلِكَ مَضَى جُلَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ أَتَتِ النُّصُوصُ عَنْهُمْ، وَإِذَا اسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ ... مَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَيُلَابِسُهُ كَانَ أَوْلَى مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ الْبَعِيدُ أَحْسَنَ اسْتِعَارَةً مِنَ الْقَرِيبِ لَمَا اسْتَحْسَنُوا قَوْلَ أَبِي نُوَاسٍ: [مَجْزُوءُ الرَّمَلِ]
نَحِّ صَوْتَ الْمَالِ عَنِّي بَعْدَ مَا ... مِنْكَ تَشْكُو وَتُصِحُّ
فَأَيُّ شَيْءٍ أَبْعَدُ اسْتِعَارَةً مِنْ صَوْتِ الْمَالِ؟ فَكَيْفَ يَجِيءُ بَعْدَ ذٰلِكَ مِثْلُ الشُّكْرِ وَالصِّيَاحِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ حِينَئِذٍ أَوْضَعَ، وَلَمْ يَرُدَّهُ أَبُو نُوَاسٍ فِيمَا أُوثِرَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَتَرَكَّبُ عَلَى لَفْظِهِ إِلَّا بَعِيدًا أَبْعَدَ، وَكَذٰلِكَ قَوْلُ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ: [الطَّوِيلُ]
وَجَحَّشَ رَأْسَ الْوَصْلِ أَسْيَافُ مُهْجَرٍ ... وَتَعْثَرُ لِرَجُلٍ أَنْتِ تَعْثُرُ مِنْ خَطِي
فَمَا أَفْحَشَ «رَأْسَ الْبَيْنِ»؟ أَوَاضِحَ اسْتِعَارَتِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْفَصَاحَةُ يَسَرُهَا فِيهَا؟ وَكَذٰلِكَ «رَقَبُ الْوَصْلِ». وَمِثْلُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ، وَهُوَ نَاقِدُ الْقُضَاةِ، إِذْ قَالَ: [الْخَفِيفُ]
كُلُّ رَأْيٍ تَرَاهُ رَأْيَ السَّحَابِ
فَهٰذَا أَذًى مِنْ كُلِّ رَدِيءٍ، وَأَوْقَفُ مِنْ كُلِّ مُثْبِتٍ، وَهٰذَا هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ. وَكَانَ أَبُو نُعَامٍ قَدِ اتُّهِمَ بِذٰلِكَ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى عَمُودِ الشِّعْرِ فِي الِاسْتِعَارَةِ عَلَى حَدِّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ: «إِنَّ لِلِاسْتِعَارَةِ حَدًّا تَصْلُحُ فِيهِ، إِذَا جَاوَزَتْهُ فَسَدَتْ وَقَبُحَتْ». وَهٰذَا قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [الْمُنْسَرِحُ]
بِمَا تَضُمُّ مِنْ أَحْضَانِكَ فَقَدْ ... أَضْحَتْ هٰذِهِ الْأَجْسَامُ مِنْ خَزَفِ
وَمِنْ إِفْرَاطِ الْقَبِيحِ فِي الِاسْتِعَارَةِ قَوْلُهُ: [الْبَسِيطُ]
مُسَرْبَلٌ فِي قُلُوبِ الطِّيبِ صَدْرُهَا ... وَتَحْضُرُ فِي قَلْبِ الْبُغْضِ وَالأَنَفِ
وَقَوْلُهُ «الْبَيْضِ» جَمِيعُ بَيْضَةٍ، وَهِيَ الْغُضْنَةُ مِنْ حَدِيدٍ، وَاللِّبْدُ، وَاحِدُهَا بَيْضَةٌ، كَانَتْ تُتَّخَذُ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ كَاللِّبْدِ.
وَنَخْلُصُ إِلَى أَنَّ هٰذَا الْفَنَّ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ عَلَى الشَّاعِرِ فِي دِيوَانِهِ إِذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ، لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.