من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِغْراقُ
المعنى
الإِغْراقُ مِنْ فِعْلِ أَغْرَقَ، وَفِي اللُّغَةِ: أَغْرَقَ فِي الشَّيْءِ، أَيْ جَاوَزَ حَدَّهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ نَزْعِ السَّهْمِ، إِذْ يَبْلُغُ الْغَايَةَ فِي الْمَرْمَى. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْبَلَاغِيِّ: الإِغْرَاقُ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالْغُلُوِّ، فَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الْوَصْفِ حَتَّى يَقْرُبَ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ وَلَا يَبْلُغَهَا. وَقَدْ جَعَلَهُ قَوْمٌ دُونَ الْغُلُوِّ وَفَوْقَ الْمُبَالَغَةِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ «الإِفْرَاطَ فِي الصِّفَةِ».
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الإِغْرَاقِ شِدَّةُ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: [الْمَدِيد]
يَا أَخَا لَمْ أَرَ فِي النَّاسِ خِلًّا مِثْلَ مَنْ يَسْرِعُ فِي الْجُودِ جَرْيًا وَوَصْلَا
فَقَدْ بَالَغَ فِي السُّرْعَةِ حَتَّى قَارَبَ مَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَادَةِ.
وَكَذٰلِكَ تَحْدِيثُ الْعَسْكَرِيِّ عَنِ «الإِغْرَاقِ» فِي بَابِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ تَجَاوُزَ حَدِّ الْمَعْنَى وَالِارْتِفَاعَ فِيهِ إِلَى غَايَةٍ لَا يُكَادُ يُبْلَغُهَا، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾(١)، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الْكَامِل]
يَتَقَارَصُونَ إِذَا التَقَوْا فِي مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِيلُ مَوَاطِئَ الأَقْدَامِ.
فَإِنَّ إِزَالَةَ النَّظَرِ لِمَوْضِعِ الْقَدَمِ مِمَّا يُقَارِبُ الِاسْتِحَالَةَ، فَدَخَلَ فِي بَابِ الإِغْرَاقِ.
(١) سُورَةُ الأَحْزَابِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٠). وَقَدْ عَرَّفَهُ الحاتِمِيُّ، يَقُولُ: وَجَدْتُ العُلَماءَ بِالشِّعْرِ يَحْكُمونَ عَلَى أَبْيَاتِ الإِغْرَاقِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي اسْتِجَادَتِهَا وَاسْتِقْبَاحِهَا، وَيُحِبُّ بَعْضُهُمْ مِنْهَا بَعْضًا، وَيُبْغِضُ بَعْضًا، وَذٰلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يُوَافِقُ طَبِيعَتَهُ وَاخْتِيَارِهِ، وَيَرَوْنَ أَنَّهَا مِنْ إِبْدَاعِ الشَّاعِرِ الَّذِي يُوجِبُ الْفَضِيلَةَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ أَحْسَنَ الشِّعْرِ أَكْذَبُهُ، وَأَنَّ الْغُلُوَّ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيل]
إِذَا زَالَ حُكْمُكُمُ أَسْوَدَ الدَّهْرِ كُنْتُمُ كِرَامًا وَأَنْتُمْ مَا أَقَامَ لَكُمْ دَهْرُ
وَعَرَّفَ ابْنُ رَشِيقٍ الإِغْرَاقَ بِقَوْلِهِ: أَحْسَنُ الإِغْرَاقِ مَا نُطِقَ فِيهِ الشَّاعِرُ أَوِ المُتَكَلِّمُ يَكَادُ أَوْ مَا يُشَاكِلُهَا، نَحْوُ «كَادَ»، وَ«لَوْ»، وَ«لَوْلَا»، وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ مِمَّا لَمْ يُنَاسِبْ أَبْيَاتَ أَيِّ الطِّبَاقِ: [السَّرِيع]
ثَبَتَّ مِنَ الشَّوْقِ تَسْرِي لَجْجَةٌ بِي فِي مُقْلَةِ الدَّامِعِ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ
وَكَانَ لِي فِيمَا مَضَى نَفْسِي خَصِيمَةً فَلَمَّا نَوَى شَيْءٌ تَصَفَّتْ مِنَ الرَّيْبِ.
وَأَضَافَ ابْنُ رِشْقٍ وَقَالَ: وَإِنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ: الإِغْرَاقُ وَالإِفْرَاطُ وَرَبْطٌ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالإِسْرَافِ فِي الْمَعْنَى. وَكَذٰلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيُّ فِي الإِغْرَاقِ وَالْمُبَالَغَةِ فَقَالَ: «وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الغُلُوِّ وَالإِغْرَاقِ وَيَجْعَلُ الاسْمَيْنِ لِبَابٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدِي أَنَّ البَابَيْنِ مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافَ اسْمَيْهِمَا، إِلَّا أَنَّ الإِغْرَاقَ أَصْلُهُ فِي النَّزْعِ، وَأَصْلُ الْغُلُوِّ فِي التَّطْوِيعَةِ الرَّمْيَةِ».
وَوَضَعَ ابْنُ مَالِكٍ فِي «المُصْبَاحِ» الإِغْرَاقَ فِي قِسْمَيْنِ: وَاسْتِعْمَالِهِ وَتَوَهُّمِهِ فِي القَبُولِ مَا أَقْرَبَهُ مِمَّا يَقْتَرِبُ مِنْ حَدِّ الصِّحَّةِ، كَـ «قَدْ»، وَ«لَوْ»، وَ«كَادَ»، وَ«لَوْلَا»، وَحَرْفِ التَّشْبِيهِ.
وَمَعْظَمُ عُلَمَاءِ الْبَلاغَةِ يَفْضَلُونَ مُصْطَلَحَ «الإِغْرَاقِ»، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُعْتَدٍ عَنْهُ: «هُوَ أَنْ يَبْلُغَ فِي الوَصْفِ بِاللُّطْفِ وَمَعْنَاهُ»، وَقَالَ الحَلَبِيُّ: «وَهُوَ فَوْقَ المُبَالَغَةِ دُونَ الغُلُوِّ»، وَقَالَ عَنْ الغُلُوِّ: «وَهُمَا مِنْ يَجْعَلُهُمَا وَالإِغْرَاقَ شَيْئًا وَاحِدًا»، وَمِثْلُهُ الزَّجَّاجِيُّ.
وَضَمَّ ابْنُ الأَمِيرِ الإِغْرَاقَ وَالغُلُوَّ وَالمُبَالَغَةَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: «هُوَ ثَلَاثُ تَسْمِيَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، وُرِدَتْ فِي بَابٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ»، وَقَالَ فِي الإِغْرَاقِ: «هُوَ الزِّيَادَةُ فِي المُبَالَغَةِ حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ حَدِّهَا»، وَفِي الغُلُوِّ: «هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الخُرُوجِ عَنْ الحَدِّ»، وَفِي المُبَالَغَةِ: «بُلُوغُ القَصْدِ فِي الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ فِي الحَدِّ». وَمِثْلُ يَقُولُ ابْنُ المُعْتَزِّ فِي الإِغْرَاقِ: [الطَّوِيل]
صَبَبْنَا عَلَيْهَا ظَالِمِينَ سِيَاطَنَا فَطَارَتْ بِهَا أَيُّ السِّرَاعِ وَأَجْفَلَتْ. يُفَضِّلُ جَوْدَةَ الِابْتِدَاءِ، وَيَمْدَحُ صَاحِبَهُ، وَأَنَا مُوَكَّلٌ بِتَفْضِيلِ جَوْدَةِ الْمَقْطَعِ وَمَدْحِ صَاحِبِهِ، كَقَوْلِ أَمْرِئِ الْقَيْسِ: [الطَّوِيل]
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ أَفْضَلُ ابْتِدَاءٍ اصْطَنَعَهُ شَاعِرٌ، لِأَنَّهُ وَقَفَ وَاسْتَوْقَفَ وَبَكَى وَاسْتَبْكَى، وَذَكَرَ الْحَبِيبَ وَالْمَنْزِلَ فِي مِصْرَاعٍ وَاحِدٍ، وَكَثُرَتِ الثَّانِيَةُ: [الطَّوِيل]
كَلِيلِي لَهُمْ مَا أُمَيِّمَةُ نَاصِبٍ وَنُبِّلَ أَنَاسِيَّ خَطْبِ الْمَرَاكِبِ
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.