من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِغْتاتُ
المعنى
الإِغْتاتُ مِنَ النَّكْتِ: دُخُولُ المِحْنَةِ عَلَى الإِنسَانِ لِزَلَّةٍ سَابِقَةٍ، وَالإِغْتاتُ: تَكْلِيفُ غَيْرِ الطَّاقَةِ.
وَالإِغْتاتُ فِي البَلاغَةِ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ المُعْتَزِّ الَّذِي عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «وَمِنْ إِغْتاتِ الشَّاعِرِ نَفْسَهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ الَّذِي عُرِفَ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ إِغْتاتِ الشَّاعِرِ نَفْسَهُ فِي القَوَافِي وَتَكَلُّفِهِ مِنْ ذٰلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ، كَقَوْلِ رَجَزٍ مِنَ البُرُوعِيِّ: [ الطَّوِيل ]
فَلَا تَحْسَبَنِّي فِيكُمُ مُتَغَافِلًا
مُشَارِكُكُمْ فِي نَفْسِ نَفْسِي وَمَا أَرَى
إِذَا صَارَ لِسَانِي كُلَّ يَوْمٍ يُسَاجِلُ
نَظَائِرَ وَجْهِـي مُضْحِكًا بِاصْطِبَارِهِ.
وَسَمَّاهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ البَلاغَةِ «لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ» وَالتَّضْيِيقُ وَالتَّشْدِيدُ وَالِالْتِزَامُ، حَتَّى إِنَّ ابْنَ الأَثِيرِ الحَلَبِيَّ قَالَ: «إِنَّ جَاهِلَ العَارِفِ يَسْتَعْمِلُ الإِغْتاتَ، وَلٰكِنْ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ شَاسِعٌ»، وَالمُصْطَلَحُ المَعْرُوفُ وَالمَشْهُورُ «لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ» أَكْثَرُ شُهْرَةً مِنْ مُصْطَلَحِ ابْنِ المُعْتَزِّ. فَالإِغْتاتُ مِنْ لَوَازِمِ الشَّاعِرِ نَفْسِهِ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الأَثِيرِ سَمَّاهُ «لُزُومَ مَا لَا يَلْزَمُ» وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يُؤَلِّفَ النَّاظِمُ مَا لَا يَلْزَمُهُ، فَإِنَّ الأَلْزَمَ فِي هٰذَا المَوْضِعِ مَا جَرَى مَجْرَى اللُّزُومِ، هُوَ السَّجْعُ الَّذِي هُوَ مُوَاسَاةُ أَجْزَاءِ الفَوَاصِلِ مِنَ الكَلَامِ المَنْثُورِ فِي قَوَافِيْهَا، وَهٰذَا فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذٰلِكَ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الحُرُوفُ الَّتِي قَبْلَ الفَاصِلَةِ حَرْفًا وَاحِدًا، وَهُوَ فِي الشِّعْرِ أَنْ تَتَسَاوَى الحُرُوفُ الَّتِي قَبْلَ رَوِيِّ الأَبْيَاتِ الشِّعْرِيَّةِ».
وَأَشَارَ إِلَيْهِ البَلْغِيُّ فِي «الطِّرَازِ»، وَسَمَّاهُ «لُزُومَ مَا لَا يَلْزَمُ»، ثُمَّ أَضَافَ: «وَيُقَالُ لَهُ الإِغْتاتُ، وَيَرِدُ فِي المُنْظُومِ وَالمَنْثُورِ مِنَ الكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ فِي لِسَانِ عُلَمَاءِ البَيَانِ أَنْ يَلْتَزِمَ النَّاظِمُ مَا لَا يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ قَبْلَ الفَوَاصِلِ الشِّعْرِيَّةِ».
(١) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةُ رَقْمُ (١٠٠). قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ حَرْفًا مَخْصُوصًا أَوْ حَرَكَةً مَخْصُوصَةً مِنَ الحَرَكَاتِ قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ أَيْضًا، مِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (١)، حَرْفُ الذَّالِ فِي الأُولَى لَيْسَ مِنْ بَابِ «لُزُومِ مَا لَا يَلْزَمُ»، بَلْ هُوَ لَازِمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَعَرَّفَهُ الحَلَبِيُّ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يُمْسِكَ نَفْسَهُ فِي الِالْتِزَامِ حَرْفًا أَوْ يُدْخِلَ حَرْفًا مَخْصُوصًا قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ أَوْ حَرَكَةً مَخْصُوصَةً قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ»، وَهٰذَا التَّعْرِيفُ قَالَهُ التَّنُوخِيُّ فِي «نِهَايَةِ الأَدَبِ»، كَقَوْلِ إِسْحَاقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَوْصِلِيِّ: [ الوَافِر ]
إِذَا مَا كُنْتُ فِي سَمْعٍ مُصِيبًا
تُفَلُّ لِلَّثْمِ يُسْقِي القَمْرَ صِرْفًا
فَحُسْنُ البِرِّ مَكْرُمَةٌ وَمَجْدٌ
وَمُؤْنَةُ إِذَا مَا جَشُمْتُ قَرَى
وَعَرَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ مَالِكٍ فِي «المُصْبَاحِ» وَقَالَ: «الِالْتِزَامُ أَنْ يَلْتَزِمَ المُتَكَلِّمُ فِي السَّجْعِ أَوِ القَفِيَّةِ قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ مَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ مَخْرَجٍ حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَحْمَدُ مِنْهُ مَا عَلِمَ التَّكَلُّفَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَقُوَّةِ المَادَّةِ»، وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ فِي «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» «لُزُومَ مَا لَا يَلْزَمُ»، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يَلْتَزِمَ الشَّاعِرُ أَوِ النَّاثِرُ فِي نَظْمِهِ أَوْ نَثْرِهِ قَبْلَ رَوِيِّ البَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ حَرْفًا مَخْصُوصًا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّكَلُّفِ»، وَمِثَالُ قَوْلِ رَافِعِ بْنِ هَرَمٍ البُرْقُوعِيِّ: [ مِنَ الطَّوِيلِ ]
فَسِيرِي كَسَيْرِ الدَّهْرِ تِلْكَ سَجِيَّةٌ
وَطَلْقَةُ لَهْجٍ مِثْلُ ضَرْبٍ تُهَيِّبَا
إِلَّا أَنَّ ابْنَ حِجَّةَ الحَمَوِيَّ سَمَّاهُ «الِالْتِزَامَ» وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «هٰذَا النَّوْعُ الَّذِي سَمَّاهُ قَوْمٌ الِالْتِزَامَ وَلُزُومَ مَا لَا يَلْزَمُ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّوْا الأَعْنَاتِ وَالمُتَضَمِّنِينَ، وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ أَنْ يَلْتَزِمَ النَّاظِمُ فِي نَظْمِهِ بِحَرْفٍ قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ حَرْفٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ»، وَقَدْ جَاءَ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ فِي مَوَاضِعَ تَجَلَّى عَنِ الوَصْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾ (٢)، وَمِثَالُهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الحَمَوِيِّ: [ البَسِيطُ ]
لأَنَّ مَدْحَ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَزَمِي
فِيهِ وَمَدْحُ سِوَاهُ لَيْسَ مِنْ نُصُبِي
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي العَلاءِ الَّذِي كَانَ أَكْثَرَهُمْ الِالْتِزَامًا، حَتَّى إِنَّهُ صَنَعَ كِتَابًا وَسَمَّاهُ «اللُّزُومِيَّاتِ».
(١) سُورَةُ العَادِيَاتِ، الآيَاتُ (٦-٨).
(٢) سُورَةُ التَّكْوِيرِ، الآيَتَانِ (١٥، ١٦). جَاءَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ بَدِيعَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ مِنْ عَثَرَاتِ لِسَانِهِ الْكَبِيرِ، كَقَوْلِهِ: [الطَّوِيل]
ضَحِكْنَا وَكَانَ الضَّحْكُ مِنَّا سَفَاهَةً
وَحَقٌّ لِسُكَّانِ الْبَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا
يُحَطِّمُنَا صَرْفُ الزَّمَانِ كَأَنَّنَا
زُجَاجٌ وَلٰكِنْ لَا يُعَادُ لَنَا سَبْكُ
وَعَرَّفَهُ الْخَفَّاجِيُّ فَقَالَ: «وَلَيْسَ يُعْذَرُ لِلشَّاعِرِ إِذَا نَظَمَ هٰذَا الْفَنَّ عَلَى الْوَجْهِ لِأَجْلِ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا لَا يَلْزَمُ شَيْئًا مِنْ عُيُوبِ الْقَافِيَةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذٰلِكَ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْكَلَامَ الْحَسَنَ عَلَى أَسْهَلِ الطُّرُقِ وَأَقْرَبِ السُّبُلِ، وَلَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى الْمُتَكَلَّفِ الْمُتَعَسِّفِ، وَإِنْ أَدَّعَى عَلَيْنَا قَائِلٌ أَنَّ صَنِيعَهُ ذٰلِكَ مِمَّا يُحَبُّ، فَمَا نَفْعُهُ».
وَأُضِيفَ إِلَى هٰذَا الْفَنِّ تَصْدِيرُ الْكَلِمَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ مِنْ فَوَاصِلِ الْكَلَامِ الْمَنْثُورِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: [الرَّجَز]
عَزَّ عَلَى نَفْسِي بَنِي سُبَيْرِ
سُوءُ مُصِيبِي لَيْلَةَ التَّضْمِيرِ
تَسْهَرُ السَّاعَةَ فِي التَّفْكِيرِ
تَبْكِي السَّمَاءُ السَّاعَةَ الْبِكْرِيَّ
بَكَيْتُ إِلَى الزُّهُورِ مِنْ صَدْرِي
ظَنَنْتُ فِي رَبِّي رَبًّا مُقْتَدِرِي
إِلَّا أَنَّ جِرْجَانْيُوس فَرْحَاتْ ذَكَرَهُ فِي «بُلُوغِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ» وَسَمَّاهُ «تَجَاهُلَ الْعَارِفِ»، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ تَمَامَ الِاخْتِلَافِ الْفَنِّيِّ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.