من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِشْتِقاقُ
المعنى
الاِشْتِقاقُ مِنِ اشْتَقَّ اللَّفْظَ، فَفَرْعُهُ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ بِشَرْطِ مُنَاسَبَتِهِمَا مَعْنًى وَتَرْكِيبًا، وَمُغَايَرَتِهِمَا فِي الصِّيغَةِ.
وَالْاِشْتِقاقُ عَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ وَقَالَ: هٰذَا النَّوْعُ أَعْنِي الاِشْتِقاقَ اسْتَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ، وَذَكَرَهُ فِي آخِرِ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ مِنْ كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِـ «الصِّنَاعَتَيْنِ» وَعَرَّفَهُ بِأَنْ قَالَ: هُوَ أَنْ يُشْتَقَّ الْمُتَكَلِّمُ مِنَ الْاِسْمِ الْعَلَمِ مَعْنًى فِي غَرَضِهِ يَقْصِدُهُ مِنْ مَدْحٍ أَوْ هِجَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُشْتَقَّ اللَّفْظُ مِنَ اللَّفْظِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُشْتَقَّ الْمَعْنَى مِنَ اللَّفْظِ.
فَاشْتِقَاقُ اللَّفْظِ مِنَ اللَّفْظِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بِنْجَابٌ : [ الْبَسِيطُ ]
أَنَا ابْنُ بِنْجَابٍ إِسْمًا ثُمَّ قَدْ صِرْتُهُ وَكَيْفَ يَنْجَحُ مَنْ يُضَيِّعُ اسْمَهُ جَهْلًا
أَمَّا اشْتِقَاقُ الْمَعْنَى مِنَ اللَّفْظِ، فَنَحْوُ قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ : [ الرَّمَلُ ]
حَلَفْتُ لِبَحْرِ مُوسَى بِاسْمِهِ وَيُبَاهِرُونَ إِذَا مَا قِيلَ قِيلًا
وَلِهٰذَا سَمَّاهُ الْعَسْكَرِيُّ «الْمُشْتَقَّ». وَذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ يَقُولُ : [ الْبَسِيطُ ]
لَمْ يَبْقَ مَرْحَبٌ مِنْهُ مَرْحَبًا وَرَأَى ضِدَّ اسْمِهِ عِنْدَ حَدِّ الْحِضْنِ وَالْأَطَمِ
وَمِنْ اشْتِقَاقِ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ قَوْلُهُ : [ الْبَسِيطُ ]
مُحَمَّدٌ أَحْمَدُ الْمَحْمُودُ مِثْلُهُمَا كُلٌّ مِنَ الْحَمْدِ يُبَيِّنُ اشْتِقَاقَهُمَا
وَالْمَرَادُ هُنَا قَوْلُهُ : «مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ» أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَصْفَتُهُمَا الْمَحْمُودَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحَمْدِ، بَيْنَمَا الِاسْمُ «مَرْحَبَ» الْمُثْنَّى مِنِ اسْمِ «مَرْحَبٍ» التَّرْحَابِ حَتَّى يُقَابِلَهُ بِضِدِّهِ، وَمِثْلُهُ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ سَمَّاهُ «الِاسْتِفْعَالَ» وَمِنْهُ قَوْلُهُ : [ الْبَسِيطُ ]
لَمْ تُبْدِ بُشْرَى لَهُمْ بُشْرَى وَهْوَ الْحَمِيدُ لَمْ يُبِنْ مِنْ أَحْمَدٍ عِنْدَ اشْتِقَاقِهِمْ
غَيْرَ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ يَخْتَلِفُ عَنْ هٰذَا، فَقَدْ نَقَلَ الْوَطْوَاطُ : «أَنَّ يُرِيدَ الْكَاتِبُ أَوِ الشَّاعِرُ فِي نَظْمِهِ أَنْ يَضَعَ أَلْفَاظًا مُتَقَارِبَةَ الْحُرُوفِ فِي النُّطْقِ».
أَمَّا الرَّازِيُّ فَقَالَ : «أَنْ تَجِيءَ بِأَلْفَاظٍ يَجْمَعُهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ فِي اللُّغَةِ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾(١)، وَهٰذَا الْفَرْعُ ذُكِرَ فِي بَابِ التَّجْنِيسِ عِنْدَ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي «الْمَثَلِ السَّائِرِ».
(١) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٣). أَمَّا الْبَغْدَادِيُّ فَسَمَّاهُ «الْمُشْتَقَّ» أَيْضًا، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ خالِدِ بْنِ صَفْوانَ العَبْدِيِّ قالَ:
«هَشَمْتَ هاشِمًا، وَأَفْتَأْتَ أُمَّةً، وَحَنَذْتَكَ مَحْزُومٌ». وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ الثَّعْلابِيُّ «الاِتِّفَاقَ»،
وَقالَ: «هُوَ أَنْ يَجِيءَ الْمُتَكَلِّمُ مِنَ الاِسْمِ الْمُعْرَبِ مَعْنًى فِي غَرَضٍ يَقْصِدُهُ مِنْ هِجَاءٍ أَوْ مَدْحٍ
أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ مِنْ فُنُونِ الْأَدَبِ». وَقالَ مِنْ قِبَلِ الْهِجاءِ: [الْبَسِيطُ]
أَرْدَى إِذَا نُسِبَتْ أَحْسابُهُ أَسَدًا لِبَطْنِ أَرْوَكَةَ عَنْ أَوْضَحِ اللَّقَمِ
فَقَوْلُهُ: «إِنْ أَسَدًا لَهَبٌ» أَهْلَكَهُ نِصْفُ اسْمِهِ، وَهُوَ اللَّهَبُ، كِنايَةً عَنْ نَارِ جَهَنَّمَ، فَهُوَ داخِلٌ
فِيها، وَذٰلِكَ بِأَنَّهُ أَسَدٌ، أَيْ امْتَنَعَ عَنْ أَوْضَحِ اللَّقَمِ أَيِ الْمِنْحَةِ أَوِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، وَهُوَ شَرِيعَةُ
الإِسْلامِ الَّتِي جاءَ بِها النَّبِيُّ ﷺ.
وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ ابْنُ الزَّمْلَكانِيِّ الاِشْتِقَاقَ فِي فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ، وَقالَ: الاِشْتِقَاقُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ
بِأَلْفَاظٍ يَجْمَعُها أَصْلٌ واحِدٌ، وَيَكُونُ مَعْناها مُشْتَرِكًا كَمَا أَنَّ حُرُوفَ الأُصُولِ مُشْتَرِكَةٌ، تَزْيِيدًا
عَلَى مَعْنَى الأَصْلِ تَتَغَيَّرُ الْفَضِيلَتَانِ بِوَجْهِهِ. وَمِثْلُ ذٰلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾
لِلْمَنْقَلِبِ الْقَوِيمِ(١)، وَقالَ: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ﴾(٢)، وَلَيْسَ مِنْ هٰذا الْبابِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾؛ لِأَنَّ أَصْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمَيْنِ غَيْرُ أَصْلِ الآخَرِ، فَلَفْظَةُ «يُوزَعُونَ» مِنْ «وَزَعَ» أَيِ الشَّيْءَ يَجْنِبُهُ إِذَا مَنَعَهُ، وَالْعِبْرَةُ مِنْ «حَبَّهُ إِذَا أَسَرَّهُ».
وَقَدْ قَرَنَ ابْنُ النُّوَيْرِيِّ بَيْنَ هٰذَا الاِشْتِقاقِ وَاشْتِقَاقِ أَهْلِ النَّحْوِ، وَقالَ: «وَمِنَ الْبَيَانِ ما يَسْتَنِدُ
إِلَى الاِشْتِقاقِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ». وَسَمَّاهُ جِرْمانُوس فَرَحاتُ «الْمُشْتَقَّ»، وَقالَ: هُوَ
إِخْراجُ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ يُناسِبُهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، كَإِخْراجِ الأَفْعَالِ مِنْ مَصادِرِها، وَإِنَّما
أَنْ تَأْتِيَ بِاسْمٍ بَسِيطٍ وَتَشْطُرَهُ بِعَمَلِ التَّحْلِيلِ ضِمْنًا، وَيَكُونُ لِكُلِّ نِصْفٍ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ
بِالْمَفْهُومِيَّةِ. وَيُسَمَّى الأَوَّلُ عِنْدَهُمْ الاِنْتِصابَ، وَالثَّانِي التَّحْلِيلَ. فَمِنْ شَواهِدِ الأَوَّلِ قَوْلُ
ابْنِ كَلْثُومٍ مِنْ مُعَلَّقَتِهِ: [الْوافِرُ]
مَلَأْنَا الْبَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا وَظَهْرَ الْبَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِينًا
أَلا يَغْبِنَ الزَّمانُ أَحَدَ عَنَّا فَنَجْهَلَ فَرْقَ جَهْلِ الْجَماجِمِ
وَمِنْ شَواهِدِ الثَّانِي قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ يَهْجُو نَحْوِيًّا: [السَّرِيعُ]
لَوْ وُكِلَ النَّحْوُ إِلَى نُحَاتِهِ ما كانَ هٰذا النَّحْوُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ
(١) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْم (٤٢).
(٢) سُورَةُ الرَّحْمٰنِ، آيَةٌ رَقْم (٥٤).
١٥٢ أَحْرَفَهُ اللّٰهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ وَصَيَّرَ البَاغِي صَرِيحًا عَلَيْهِ ،
فَحَلَّ لَفْظَهُ بِنِصْفَيْهِ إِلَى جُزْأَيْنِ أَحَدُهُمَا «نِقْطٌ» ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الأَدْمَانِ سَرِيعِ الِالْتِهَابِ ، وَثَانِيهِمَا «رِيَّهُ» ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلْمَنْدُوبِ عَلَيْهِ . وَعَدَّهُ ابْنُ الجَوْزِيَّةِ مِنَ «التَّجْنِيسِ» ، وَقَالَ : هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْنِيسِ ، وَإِنْ عُدَّ أَصْلًا لِرَأْسِهِ ، وَهُوَ أَنْ يُجْتَزَأَ بِاللَّفْظِ بِجُزْئَيْهِ ، وَهُمَا يُجْمَعَانِ أَصْلًا وَاحِدًا فِي اللُّغَةِ . وَمِثْلُهُ مَا يَقُولُ أَبُو تَمَّامٍ : [ الوَافِرُ ]
عَمِدْتُ الخَلْقَ مِنْ نُصْبِكَ حَتَّى غَدَا الْقَدَرَانِ بَيْنَهُمَا مُتَّفِقَيْنِ .
ثُمَّ قَالَ : « هٰذَا الْبَابُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْنَاسِ التَّجْنِيسِ ، وَهُمَا مَا رَمَى إِلَيْهِ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ » المَثَلِ السَّائِرِ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.