من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاسْتِقْصَاءُ
المعنى
الِاسْتِقْصَاءُ مِنْ قَصَا يَعْنِي : بَعُدَ، وَاسْتَقْصَيْتُ الْأَمْرَ : بَالَغْتُ فِيهِ. عَرَّفَ الِاسْتِقْصَاءَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ يَتَنَاوَلَ الشَّاعِرُ مَعْنًى يَسْتَقْصِيهِ، إِلَى أَنْ لَا يَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا ». وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ يَقُولُ تَعَالَى : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾(٢)، فَقَوْلُهُ : ﴿ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ لَوِ اقْتَصَرَ الْكَلَامُ عَلَى « جَنَّةٍ » لَكَانَ الْخَبَرُ كَافِيًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ ذٰلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَقْصَى، فَقَالَ : ﴿ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾، ثُمَّ زَادَ قَوْلَهُ : ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، ثُمَّ أَضَافَ لَهُ : ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾، وَقَالَ فِي وَصْفِ صَاحِبِهَا : ﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾، ثُمَّ اسْتَقْصَى الْمَعْنَى فِيمَا يَجِبُ تَعْظِيمُ الْمُصَابِ بِقَوْلِهِ : ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾، ثُمَّ قَالَ : ﴿ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾، فَنَنْظُرُ إِلَى هٰذَا الِاسْتِقْصَاءِ الِاسْتِمْتَاعِيِّ فِي تِلْكَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ فِي وَصْفِ حَدِيقَةٍ مَحْبُوبَتِهِ : [ الْكَامِلُ ]
وَحِسَابُهَا السِّحْرُ الْحَلَالُ لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَخْشَ قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ
إِنْ طَالَ لَمْ يُمْلِلْ وَإِنْ هِيَ أَبْصَرَتْ وَعْدَ الْمُحِبِّ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ
شِرْبَ الْمَقُولِ وَنُزْهَةً مَا مِثْلُهَا لِلْمُطْمَئِنِّ وَغَفْلَةَ الْمُسْتَوْفِزِ.
(١) سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٦).
(٢) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٦٦). فَإِنَّ الرُّومِيَّ اسْتَقْصَى وَصْفَ حَدِيثِ هٰذِهِ الْمَعْجُوبَةِ اسْتِقْصَاءً تَامًّا.
كَمَا أَنَّ عَبْدَ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيَّ قَدْ فَضَّلَ الْحَدِيثَ عَنِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي بَابِ « التَّشْبِيهِ » وَقَالَ : « وَنَظِيرُ هٰذَا الْمَوْضِعِ فِي زِيَادَةِ أَحَدِ التَّشْبِيهَيْنِ مَعَ أَنَّ جِسْمَهُمَا وَاحِدٌ، وَتَرْكِيبِهِمَا عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، بِأَنْ فِي أَحَدِهِمَا فَضْلَ اسْتِقْصَاءٍ لَيْسَ فِي الْأُخْرَى، كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ فِي الْأَذْرِيُّونِ : [ الطَّوِيلُ ]
وَطَفْتُ بِهَا سَاقِي أَدِيبٍ مُبَذَّلٍ كَنَجْرِ عَيْبٍ صَاغَهُ الْمُقَلِّدُ
وَحَمَّلَ دُرِّيَّاتٍ فَوْقَ أُذْنِهِ كَكَأْسِ عَقِيقٍ فِي قَرَارَاتِهِ مِسْكُ
وَقَوْلِهِ : [ مَجْزُوءُ الرَّجَزِ ]
مَدَاهِنُ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بَقَايَا غَالِيَةٍ
فَالتَّشْبِيهُ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْقُصْ عَنِ الثَّانِي شَيْئًا، وَذٰلِكَ أَنَّ السَّوَادَ الَّذِي فِي بَاطِنِ الْأَذْرِيُّونَةِ مَوْضُوعٌ بِزَاءَ الْغَالِيَةِ وَالْمِسْكِ فِيهِ أَمْرَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ يُشَاكِلُ لَهَا.
وَالثَّانِي : أَنَّ هٰذَا السَّوَادَ لَيْسَ صُورَةً بَلْ صُورَةُ الدِّرْهَمِ فِي قَعْرِهَا؛ أَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ هُنَا إِلَّا لِارْتِفَاعِ بُخَارِ النَّائِرَةِ حَتَّى يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ سَمَائِهَا مِنَ الْجِهَاتِ، وَهُوَ فِي مُتَنَاصِفِهِ نَفْسِهِ أَثَرُ الْغَالِيَةِ فِي جَوَانِبِ الْمَدَاهِنِ إِذْ كَانَتْ بَقِيَّةً يَثْبُتُ عَنِ الْأَصَابِعِ، وَقَوْلُهُ : فِي قَرَارَاتِهِ مِسْكٌ يُبَيِّنُ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ وَيُؤَيِّدُ دُخُولَ النَّقْصِ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ يَدْخُلُ لَوْ قَالَ : كَأَكْؤُسِ عَقِيقٍ فِيهَا مِسْكٌ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَعْرِ.
وَأَمَّا الثَّانِي مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ : « بَقَايَا غَالِيَةٍ »، وَذٰلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمِسْكِ وَالشَّيْءِ اللَّابِسِ إِذَا حَصَلَ فِي شَيْءٍ مُسْتَتِرٍ لَهُ قَعْرٌ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ فِي الْقَعْرِ وَلَا يَرْتَفِعَ فِي الْجَوَانِبِ ارْتِفَاعًا تَرَاهُ فِي سَوَادِ الْأَذْرِيُّونِ، وَأَمَّا الْغَالِيَةُ فَهِيَ رَطْبَةٌ، ثُمَّ تَتَوَحَّدُ بِالْأَصَابِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذٰلِكَ فَلَا بُدَّ فِي الْبَقِيَّةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ قَدِ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْقَرَارَةِ، وَحَصَلَتْ بِصِفَةِ شَبِيهَةٍ بِذٰلِكَ السَّوَادِ، ثُمَّ هِيَ نَعْتُهَا لِتَكُونَ فَنَكُونَ كَالْأَصَابِعِ الَّذِي لَا جَرَمَ لَهُ يَمْلِكُ الْمَكَانَ، وَذٰلِكَ أَصْدَقُ لِلنَّظَرِ ». وَنَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ تَعْرِيفَ الْمِصْرِيِّ لِلِاسْتِقْصَاءِ وَأَمْثِلَهُ، وَاعْتَبَرَ السِّكِّيُّ « الِاسْتِقْصَاءَ » قَرِيبًا مِنْ مُرَاعَاةِ النَّظِيرِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.