من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِغْرَابُ
المعنى
الاِسْتِغْرَابُ مِنِ اسْتَغْرَبَ: جَعَلَ شَيْئًا غَرِيبًا. وَالاِسْتِغْرَابُ التَّعَجُّبُ، أَوِ الاِسْتِغْرَابُ بِالشَّيْءِ الْغَرِيبِ، أَوِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ.
وَتَحَدَّثَ قُدَامَةُ عَنِ الاِسْتِغْرَابِ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ نُعُوتِ الْمَعَانِي، فَقَالَ: «وَقَدْ يَقْبَحُ النَّاسُ فِي بَابِ أَوْصَافِ الْمَعَانِي الاِسْتِغْرَابُ وَالطَّرَافَةُ، إِذَا كَانَ فَرْدًا قَلِيلًا، فَإِذَا كَثُرَ الْمَعْنَى مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدِي أَنَّ هٰذَا دَاخِلٌ فِي الْأَوْصَافِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُسْتَجْلَبَ إِذَا كَانَ فِي ذَاتِهِ جَيِّدًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ جَيِّدٌ إِذَا قَالَهُ شَاعِرٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَكُونَ تَقَدَّمَهُ مَنْ قَالَ مِثْلَهُ، فَهٰذَا غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ يُقَالُ لِمَا جَرَى هٰذَا الْمَجْرَى طَرِيفٌ وَغَرِيبٌ، إِذَا كَانَ فَرْدًا قَلِيلًا، فَإِذَا كَثُرَ لَمْ يُسَمَّ بِذٰلِكَ، وَغَرِيبٌ طَرِيفٌ هُمَا شَيْءٌ آخَرُ حَسَنٌ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ جَيِّدٌ غَيْرُ غَرِيبٍ وَلَا طَرِيفٍ. فَمَثَّلَهُ تَشْبِيهًا بَعْضُهُمْ بِجَنَبِ الدَّمِ الَّذِي تَسُوقُهُ الرِّيَاحُ، فَهٰذَا التَّشْبِيهُ تَنْقُصُهُ الْجَوْدَةُ».
وَهٰذَا الاِسْتِغْرَابُ عِنْدَ الْآخَرِينَ سُمِّيَ إِغْرَابًا. وَنَقَلَ ابْنُ مَقْفَعٍ خُلَاصَةَ كَلَامِ قُدَامَةَ، فَقَالَ: إِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الاِسْتِحْسَانِ، فَيُقَالَ: طَرَافَةٌ وَغَرَابَةٌ، إِذَا كَانَ فَرْدًا قَلِيلًا، فَإِذَا كَثُرَ لَمْ يُسَمَّ بِذٰلِكَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى مَادِحًا الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ عَلَى غَرِيبِ الْعَادَةِ: [الطَّوِيلِ]
وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا
تَوَارَثَتْهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وَهَلْ يَنْبُتُ الْخَطِّيُّ إِلَّا وَشِيجُهُ
وَتُغْرَسُ إِلَّا فِي مَنَابِتِهَا النَّخْلُ
وَسَمَّاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْمَحَلِّيُّ «الإِغْرَابَ»، وَقَالَ: «وَيُسَمَّى هٰذَا الْبَابُ بِالإِغْرَابِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَعْنًى غَرِيبٍ نَادِرٍ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ، أَوْ سُمِعَ وَهُوَ قَلِيلٌ». غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيَّ جَعَلَهُ جُمْلَةً مِنْ بَابِ «النَّوَادِرِ»، وَقَالَ: «النَّوَادِرُ جَمْعُ نَادِرَةٍ». وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ جُرْمَانُوس فَرَحَاتٌ بِاسْمِ «النَّوَادِرِ». وَمِنْ غَرِيبِ التَّعْرِيفَاتِ مَا ذَكَرَ الْفَرَّاءُ حِينَ عَرَّفَ الشِّعْرَ الْحَسَنَ بِالإِغْرَابِ، فَقَالَ: الشِّعْرُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ مُقَفَّى، مَنْ شَأْنِهِ أَنْ يُغَيِّرَ إِلَى النَّفْسِ مَا قَصَدَ تَحْمِيلَهُ إِلَيْهَا وَيُكَرِّرَ إِلَيْهَا مَا قَصَدَ تَكْرِيرَهُ، لِتَحْمِلَ لِذٰلِكَ عَلَى طَلَبِهِ أَوِ الْهِرَبِ مِنْهُ، بِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ حُسْنِ تَجْرِبَةٍ لَهُ وَمُحَاكَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِهَا أَوْ مُنْصَرِفَةٍ بِحُسْنِ تَأْلِيفِ الْكَلَامِ، أَوْ قُوَّةِ صَدَاهُ، أَوْ وُقُوعِ شُهْرَتِهِ، أَوِ اجْتِمَاعِ ذٰلِكَ. وَكُلُّ ذٰلِكَ يُتَأَكَّدُ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ إِغْرَابٍ، فَإِنَّ الاِسْتِغْرَابَ وَالتَّعَجُّبَ حَرَكَةٌ لِلنَّفْسِ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِحَرَكِتِهَا الْخَيَالِيَّةِ قَوِيَ انْفِعَالُهَا وَتَأَثُّرُهَا.
وَالنَّوَادِرُ اسْمٌ فَضَّلَهُ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ، وَمِنْهُمُ الْمِصْرِيُّ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ الَّذِي قَالَ: «وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ قُدَامَةُ بِالإِغْرَابِ وَالطَّرَافَةِ، وَسَمَّاهُ مِنْ بَعْدُ التَّطْرِيفَ، وَسَمَّاهُ قَوْمٌ النَّوَادِرَ، وَقَوْمٌ أَغْرَابَ عَلَيْهِ تَسْمِيَةً قُدَامَةَ بِهِ». ثُمَّ قَالَ: «وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ بِمَعْنًى غَرِيبٍ لَطِيفٍ فِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَيْسَ هُوَ بِمَشْرُوطٍ عَلَى رَأْيِ قُدَامَةَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا نَادِرًا». وَقَدْ رَأَى غَيْرُ قُدَامَةَ فِيهِ غَيْرَ ذٰلِكَ، وَقَالَ: «لَا بُدَّ لِلْمَعْنَى مِنِ اعْتِبَارِ إِغْرَابٍ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ»، وَالاِسْتِحْقَاقُ بِحَسَبِ التَّفْسِيرِ الثَّانِي، وَالشُّرُوطُ كُلُّهَا تَنْصَبُّ تَفْسِيرَ قُدَامَةَ، إِذْ تَشْمَلُ الْبَابَ وَقَعَ فِيهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سُبِقَ إِلَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ فِي وَصْفِ حَسَنَةٍ: [الطَّوِيلِ]
فُرِّدَتْ عَيْنُهَا الشَّمْسُ وَالنُّورُ رَاغِمٌ
يَبْسِمْنَ فِيهَا مِنْ جَنَابِ الْغَيْرِ تَظْلُلُ
فَأَوْلَى لِمَا أَدْرِي السَّلَامَ نَائِمٌ
أَلَمْتِ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرُّكْبِ يُرْحَلُ
فَلَا اسْتِهَامَ الَّذِي نَبَّهَ بِهِ فِي كَلَامِهِ، وَذَكَرَ تَرْجِيحَ بَعْدَ إِغْرَابِهِ فِي التَّوْطِئَةِ، بِإِعْلَامِهِ بِأَنَّ هٰذِهِ الْعَادَةَ رُدَّتْ بِهَا الشَّمْسُ عَلَى الرُّغْمِ مِنْ غَيَابِهَا وَغُرُوبِهَا، فَالشَّاعِرُ جَابِرٌ يُوَلِّدُ الْمَعْنَى الْغَرِيبَ الطَّرِيفَ دُونَ كُلِّ مَنْ تَنَاوَلَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ إِلَى الغَرَابَةِ.
وَمِنْ أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ فِي الإِغْرَابِ وَالطَّرَافَةِ نَوْعٌ لَا يَكُونُ الإِغْرَابُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ بَلْ فِي تَأْوِيلِهِ، وَيُعْتَبَرُ هٰذَا التَّأْوِيلُ فَهْوَ مُعَيَّبٌ جِدًّا، وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ: [الكَامِلِ]
أَرَأَيْتَ مَا قَدْ قَالَ لِي بَدْرُ السُّهَى
لَمَّا رَأَى طَرْفِي بِدَمْعٍ سَاهِرَا
خَفَقَتْ تَرْفَتْجِي بِطَرْفٍ سَاهِرٍ
أَقْصِرْ فَلَسْتِ حَبِيبَتَكِ الْمُشَفَّرَا
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.