من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِئْنَافَةُ
المعنى
الاِسْتِئْنَافَةُ مِنْ اِسْتِئْنَافٍ بِمَعْنَى أَدْخَلَ فِي الْكَلَامِ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ لِيَصِحَّ بِهِ نَظْمًا أَوْ وَزْنًا، إِنْ كَانَ فِي الشِّعْرِ، وَلِيَتَذَكَّرَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ فِي كَلَامٍ مَنْثُورٍ.
وَالِاسْتِئْنَافَةُ ذَكَرَهَا الْجَاحِظُ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الْبَلاغَةِ، فَقَالَ: «حَدَّثَنِي صَدِيقٌ لِي قَالَ: قُلْتُ لِلْجَاحِظِ: مَا الْبَلاغَةُ؟ قَالَ: كُلُّ مَنْ أَهْمَلْتَ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ وَلَا حَسْبَةٍ وَلَا اسْتِئْنَافَةٍ فَهُوَ يُبْلِغُ، فَإِنْ أَرَدْتَ اللِّسَانَ الَّذِي يُرَوِّقُ الْأَلْسِنَةَ وَيَفُوقُ كُلَّ خَطِيبٍ، فَاظْهَرْ مَا غَضِبْتَ مِنَ الْحَقِّ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ». قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ عَرَفْتُ الْإِعَادَةَ وَالْحَسْبَةَ، فَمَا الاِسْتِئْنَافَةُ؟ فَقَالَ: «أَمَا تَرَاهُ إِذَا تَحَدَّثَ قَالَ عِنْدَ مُقَاطِعِ كَلَامِهِ: مَا هٰذَا، وَيَا هٰذَا، وَمَا أَهَبُهُ، وَاسْمَعْ مِنِّي، وَاسْمَعْ إِلَيَّ، وَافْهَمْ عَنِّي، أَوَلَسْتَ تَفْهَمُ، أَوَلَسْتَ تَعْقِلُ؟ فَهٰذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ فَسَادٌ».
هٰذَا بَعْضُ مَا قَالَهُ الْجَاحِظُ، وَمِنْهُ الْحَشْوُ الْمُفَصَّلُ بِنَظْمِ الشِّعْرِ، فَهُوَ بِهٰذَا الْقَدْرِ يَكُونُ زِيَادَةً، وَالْمَحْشُوُّ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَ الْبَلاغَةِ تَنَاقَلُوا هٰذَا الْمُصْطَلَحَ إِلَى مَعْنًى جَدِيدٍ، وَمِنْهُمْ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، إِذْ قَالَ: إِنَّ الاِسْتِئْنَافَةَ أَنْ يَسْتَعِينَ الشَّاعِرُ بِبَعْضِ شِعْرِهِ بَعْدَ أَنْ يُفْرِغَهُ فِي نُكْتَةٍ لَطِيفَةٍ لَهَا نُكَتَةٌ يَحْسُنُ أَنْ يُبْحَثَ مَا بَعْدَهَا مَعَ مَا يُبَيِّنُ إِبَانَتَهَا، وُخُصُوصًا أَبْيَاتِ الطَّرَفَةِ، أَوْ مَا كَانَ لَهُ قَدْرٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النُّقَّادِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مَشْهُورًا، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذٰلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا رَأَيْنَا ذٰلِكَ فِي أَشْعَارِ النَّاسِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا إِذَا أَتَى الشَّاعِرُ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِهِ بِبَيْتٍ لَهُ نَفْسِهِ قَدْ سَبَقَ لَهُ أَنْ نَظَمَهُ، سُمِّيَ ذٰلِكَ تَشْهِيرًا، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ لِغَيْرِهِ سُمِّيَ اسْتِمَادَةً.
وَمِثَالُهُ فِي الشِّعْرِ قَوْلُ الحَارِثِ: [الطَّوِيلِ]
وَسَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ سَكْبٌ مَبَادِرُ
وَقَدْ شَرِقَتْ بِالْمَاءِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ
وَقَدْ أَصْبَحَتْ حَيْرَانَ مِنْ بَعْدِ أُنْسِهَا
بِنَا، وَهِيَ مِمَّا سَوَّفَتْهُ الدَّوَائِرُ
كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحُجُونِ إِلَى الصَّفَا
أَنِيسٌ، وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
بَلَى، نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَهَا
صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ. فَفِي هٰذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَدَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الضُّوْءِ إِلَى لَفْظَةِ النُّوْرِ، وَذٰلِكَ لِأَنَّ الأَنْوَارَ أَعَمُّ مِنَ الضِّيَاءِ، فَإِذَا أُضِيفَ النُّوْرُ اشْتَمَلَ الأَحْمَرَ.
وَمِمَّا يُدَلُّ عَلَى الأَوْصَافِ الْخَاصَّةِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَكَانَ يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِ أَحَدِهِمَا وَصْفُ الآخَرِ، وَلَا يَلْزَمُ عَكْسُ ذٰلِكَ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾(١) فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْعَرْضِ بِالذِّكْرِ دُونَ الطُّولِ لِلْمَعْنَى الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِذٰلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ هٰذَا عَرْضَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ طُولُهَا؟
وَمِنَ الأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَّةِ عَلَى الْجِنْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(٢)، فَقَالَ تَعَالَى: «ضَلَالَةٌ» وَلَمْ يَقُلْ: «ضَلَالٌ»، لِأَنَّ نَفْيَ الضَّلَالَةِ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ الضَّلَالِ عَنْهُ.
وَقَوْلُ الأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ: [الْكَامِلِ]
خَلَّفْتُ نَفْسِي وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْمُلِي
وَلَقِيتُ أَصْحَابِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
إِنْ لَمْ أَشَأْ عَلَى ابْنِ حَرْبٍ غَارَةً
تَشْفِي الصُّدُورَ غَدَاةَ نَهْبِ نُفُوسِ
تَعْدُو بِيَضُهُمْ فِي الْعُدُوِّ شُمُوسَةً
حَمِي الْحَدِيدُ عَلَيْهِمُ فَكَأَنَّهُ
لَهَبٌ تَرَوَّحَ أَوْ شُعَاعُ شُمُوسِ
وَمِنَ الصِّفَاتِ الْعَدِيدَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ فِي وَصْفِ نُحُولِ الرِّكَابِ: [الْخَفِيفِ]
كَالْقِسِيِّ الْمُطَّنَبَاتِ بَلِ الأَسْـ
هُمِ نُبْلًا بَلِ الْأَوْتَارِ
فَفِي قَوْلِهِ هٰذَا رَأَى الشَّاعِرُ فِي تَشْبِيهِهِ لِمَوْصُوفِهَا وَمَرَاتِبِهَا مِنَ الأُخْرَى إِلَى الأَعْلَى، فَوَصَفَهَا أَوَّلًا بِالْقِسِيِّ، ثُمَّ بِالأَسْهُمِ الْمَبْرِيَّةِ، ثُمَّ بِالأَوْتَارِ، وَهِيَ أَبْلَغُ فِي النُّحُولِ.
وَقَدْ خَالَفَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ هٰذَا الأُسْلُوبَ التَّدْرِيجِيَّ، لِأَنَّ لِلأَدِيبِ الْحُرِّيَّةَ فِي التَّعْبِيرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ يَحِقُّ لِلشَّاعِرِ مَا لَا يَحِقُّ لِغَيْرِهِ إِذَا مَا سَلَكَ عَكْسَ الأُسْلُوبِ الْمَعْرُوفِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُسَيِّبِ: [مَجْزُوءُ الْمُنْسَرِحِ]
يَا بَحْرًا يَا غَمَامَةً يَا جَبَلًا
لَيْتَ الشَّرَى يَا جِسَامُ يَا رَجُلُ
(١) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، آيَةٌ رَقْمُ (١٣٣).
(٢) سُورَةُ الأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٠، ٦١). وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى، فَيَقُولَ: يَا رَجُلُ، يَا لَيْثُ، يَا غَمَامَةُ، يَا بَحْرُ، يَا جَامِعُ؟ لِأَنَّ هٰذَا مَقَامُ مَدْحٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْقَى فِيهِ مِنْ مَنْزِلَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الْعُلْيَا، إِلَّا فِي حَالَةِ ذَمِّ الْأَمْرِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.