من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِعَارَةُ فِي الأَسْمَاءِ
المعنى
ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الاِسْتِعَارَةِ الْمُفِيدَةِ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُسْتَعَارًا عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَنْقُلَهُ عَنْ مُسَمَّاهُ الْأَصْلِيِّ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ، فَتُجْرِيَهُ عَلَيْهِ، وَتَجْعَلَهُ مُتَنَاوِلًا لَهُ تَنَاوُلَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وَذٰلِكَ كَقَوْلِكَ: «رَأَيْتُ أَسَدًا» وَأَنْتَ تَعْنِي رَجُلًا شُجَاعًا، وَوَرَدَتْ نَحْوُ «أَنْتِ نَبِيلَةٌ» فِي الْمَرْأَةِ، وَ«أَلْبَسْتُ نُورًا» تَعْنِي هُدًى وَبَيَانًا وَحِكْمَةً، وَمَا شَاكَلَ ذٰلِكَ.
فَالِاسْمُ فِي هٰذَا كُلِّهِ كَمَا تَرَاهُ مُتَنَاوِلًا شَيْئًا مَعْلُومًا يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ عَلَيْهِ، فَيُقَالَ إِنَّهُ عُنِيَ بِالِاسْمِ، وَكُنِّيَ بِهِ عَنْهُ وَنُقِلَ مِنْ مُسَمَّاهُ الْأَصْلِيِّ اسْمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِعَارَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُغْفَلَ الِاسْمُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَيُوضَعَ مَوْضِعًا لَا يُبِينُ فِيهِ شَيْءٌ يُشَارُ إِلَيْهِ، فَيُقَالَ هٰذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ، وَالَّذِي اسْتُعْمِلَ لَهُ، وَجُعِلَ خَلِيفَةً لِاسْمِهِ الْأَصْلِيِّ وَنَائِبًا مِنَابَهُ. وَمِثَالُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: [الْكَامِلُ]
وَغَدَاةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وَغَرَّةً إِنْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا
وَذٰلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لِلشِّمَالِ يَدًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَا يُشْبِهُ إِلَيْهِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْرِيَ الْبَدَلَ. أَنْ تَقُولَ: «نَطَقَتِ الْحَالُ بِكَذَا»، وَ «أَشَارَتْ إِلَيَّ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ»، وَ«أَوْقَعَتْنِي عَيْنَاهُ فِي مَا يُرِيدُ قَلْبُهُ»، فَتَجْعَلَ فِي الْحَالِ وَصْفًا هُوَ شَبِيهٌ بِالنُّطْقِ فِي الإِنْسَانِ، وَذٰلِكَ أَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الأَمْرِ، وَيَكُونُ فِيهَا إِشَارَاتٌ يُعْرَفُ بِهَا الشَّيْءُ، كَمَا أَنَّ النُّطْقَ كَذٰلِكَ، وَكَذٰلِكَ الْعَيْنُ فِيهَا وَصْفٌ شَبِيهٌ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ دَلَالَتُهَا بِاللَّمْحَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا، وَفِي نَظَرِهَا وَخَوَاصِّ أَوْصَافٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الإِنْكَارِ وَالْقَبُولِ، وَأَمْرُ الْعَيْنِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ. وَلٰكِنْ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ فِي الْكَلَامِ مِمَّا دُعِيَ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ أَنْسَ لِلْفَزْعِ أَنْ يُجْعَلَ مَا هُوَ شَاهِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يُحْسَنْ فِي إِصْلَاحِ دَعْوَى بِرْهَانٍ، وَإِذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ فِي الاِسْتِعَارَةِ عَلَى هٰذِهِ الْجُمْلَةِ رَجَعْنَا إِلَى التَّحْقِيقِ إِلَى أَنَّ وَصْفَ الْفِعْلِ أَنَّهُ مُسْتَعَارٌ حُكْمٌ يَرْجِعُ إِلَى مِصْدَرِهِ الَّذِي أُنْشِئَ مِنْهُ، وَمِمَّا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ اسْتِعَارَةً مَرَّةً مِنْ جِهَةِ فَاعِلِهِ الَّذِي رُفِعَ بِهِ وَمِثَالُهُ «نَطَقَتِ الْحَالُ». وَيَكُونُ أُخْرَى اسْتِعَارَةً مِنْ جِهَةِ مَفْعُولِهِ كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: [الْمَدِيدُ]
جَمَعَ الْحَقَّ لَنَا فِي إِمَامٍ فَقَتَلَ الْبُخْلَ وَأَحْيَا السَّمَاحَا
فَقَوْلُهُ: «قَتَلَ وَأَحْيَا» صَادِرًا مُسْتَعَارَيْنِ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِهِمَا عَنِ الْبُخْلِ وَالسَّمَاحِ، وَلَوْ قَالَ: «قَتَلَ الأَعْدَاءَ، وَأَحْيَا الأَصْدِقَاءَ» لَمْ يَكُنْ قَتَلَ اسْتِعَارَةً بِوَجْهٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا اسْتِعَارَةً فِي هٰذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ بَيَّنَ عُلَمَاءُ الْمَعْصِرِ ذٰلِكَ، وَغَفَلُوا أَنَّ الأَفْعَالَ دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ أَحْدَاثٍ فِي أَزْمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَالْفِعْلُ الصِّنَاعِيُّ دَالٌّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعِبَارَةٌ عَنْهُ، فَالْمَقْصِدُ إِنْ وَقَعَ فِيهِ مَجَازٌ فَالنَّقْلُ تَابِعٌ لَهُ، وَإِنْ قُدِّرَ وُقُوعُ الْمَجَازِ فِي الْمَصْدَرِ فَالْمَجَازُ أَحْرَى بِالنَّقْلِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.