من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِعَارَةُ التَّخْيِيلِيَّةُ
المعنى
وَقَدْ سَمَّاها الْعَلَوِيُّ الِاسْتِعَارَةَ الْخَيَالِيَّةَ الْوَهْمِيَّةَ، فَهِيَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ لَفْظًا دَالًّا عَلَى حَقِيقَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْوَهْمِ، ثُمَّ تَرْفَعَهَا بِذِكْرِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ إِيضَاحًا لَهَا وَتَعْرِيفًا لِحَالِهَا، كَقَوْلِ أَرْطَاةَ بْنِ سَهْيَةَ : [ الطَّوِيلُ ]
فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّ بُسْطَاءَ إِنَّنِي هَرَيْتُ شَبَابِي وَاسْتَنْتَثْتُ أَدِيمِي
فَقَالَ : « هَرَيْتُ شَبَابِي » لِمَا فِي الشَّبَابِ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللِّيُونَةِ الَّتِي هِيَ كَاللَّحْمِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : « اسْتَنْتَثْتُ أَدِيمِي » لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي الْقِرْبَةِ الْبَالِيَةِ، فَكَأَنَّ أَدِيمَهُ الْبَالِيَ صَارَ شَيْئًا مَاهِيَّتُهُ اللَّحْمُ، فَصَحَّتِ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَخَاصَّةً التَّخْيِيلِيَّةُ.
أَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فَسَمَّاها « اسْتِعَارَةَ التَّخْيِيلِ »، وَعَدَّهَا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى : ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾(١)، وَهِيَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّحْقِيقُ وَالتَّخْيِيلُ فِي الِاسْتِعَارَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾(٢)، وَالظَّاهِرُ مِنْ هٰذِهِ الْآيَةِ هُوَ التَّخْيِيلُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ اسْتِلَابَهُمْ لِكَفْرِهِمْ اتِّصَالَ هَاتَيْنِ اللِّبَاسَيْنِ، وَلَمَّا اسْتَعَارَ اللِّبَاسَ مُبَالَغَةً فِي الِاشْتِمَالِ عَلَيْهِمْ، أَخَذَ الْوَهْمُ فِي تَصْوِيرِ مَا لِلْمُسْتَعَارِ مِنْهُ مِنَ التَّغْطِيَةِ وَالسَّتْرِ لِمَزِيدِ الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ جُعِلَتْ مِنْ بَابِ التَّحْقِيقِ، فَهُوَ أَنَّهُ يُرَى عَلَى الْإِنْسَانِ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْهُزَالِ.
وَكَذٰلِكَ الِاسْتِعَارَةُ التَّخْيِيلِيَّةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ هِيَ قَرِينَتُهَا، خِلَافًا لِلسَّكَّاْكِيِّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَرِينَةَ الْحَقِيقِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَخْيِيلِيَّةً، كَبَيْتِ الْهُذَلِيِّ : [ الْكَامِلُ ]
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ وَتَارَةً تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : « وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ »(١) وَأَوْلَى دَلِيلٍ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ مُفْرَدَةً عَنِ الْمُكَنِّيَةِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ : [ الْكَامِلُ ]
لَا تَسْتَقِي مَاءَ السَّلَامِ فَإِنَّنِي صَبَبْتُ مَاءً يُسْتَسْقَى بِكْ بُقَاءِ
فَقَدْ تَوَهَّمَ أَنَّ لِلْمَلَامَةِ شَيْئًا شُبِّهَ بِالْمَاءِ فَاسْتَعَارَ اسْمَهُ اسْتِعَارَةً تَخْيِيلِيَّةً مُفْرَدَةً عَنِ الْمَكْنِيَّةِ.
(١) سُورَةُ هُودٍ ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٤) .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.