من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِطْرَادُ
المعنى
الاِسْتِطْرَادُ مِنْ أَطْرَدَ الشَّيْءَ: تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَجَرَى، وَأَطْرَدَ الكَلَامُ إِذَا تَابَعَ ثُمَّ عَادَ وَانْعَطَفَ.
قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَبْدَعَ فِي فَنِّ «الاِسْتِطْرَادِ» السُّمَؤْلُ فِي قَوْلِهِ: [ الطَّوِيلِ ]
وَإِنَّ قَوْمًا لَا تَرَى القَتْلَ سُبَّةً إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسُلَيْمُ
يَقْرُبُ حُبُّ المَوْتِ آجَالَنَا لَنَا وَتَكْرَهُهُ أَجَافِلُهُمْ فَنُطَالُ
وَيُعْتَبَرُ هٰذَا أَوَّلَ شَاهِدٍ وُرِدَ فِي هٰذَا النَّوْعِ وَسَارَ مَسِيرَ الأَمْثَالِ، وَلِهٰذَا القَوْلِ ابْنُ رَشِيقٍ، وَقَالَ: «وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نُقِلَ فِي هِ»؛ وَعَقَّبَ عَلَى هٰذَا المِصْرِيِّ فَقَالَ: «وَأَحْسَبُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اسْتَطْرَدَ بِالمُبْتَدَإِ السُّمَؤْلُ».
وَالاسْتِطْرَادُ عِنْدَ الجَاحِظِ هُوَ الاِنْتِقَالُ مِنْ مَوْضُوعٍ إِلَى آخَرَ لِكَيْ لَا يَمَلَّ القَارِئُ. أَوِ السَّامِعِ، وَهٰذَا وَاضِحٌ فِي مُعْظَمِ مُؤَلَّفَاتِهِ. وَالاِسْتِطْرَادُ عِنْدَ ثَعْلَبٍ هُوَ «حُسْنُ الْخُرُوجِ» وَكَذٰلِكَ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ.
وَقِيلَ إِنَّ الْبَحْرَزِيَّ الشَّاعِرَ نَقَلَ هٰذِهِ التَّسْمِيَةَ عَنْ أَبِي تَمَّامٍ، وَكَذٰلِكَ قَالَ الصُّولِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَحْرَزِيَّ يَقُولُ: أَنْشَدَنِي أَبُو تَمَّامٍ لِنَفْسِهِ: [ الْبَسِيطِ ]
وَسَابِحٍ فَطْلَ الشُّدَمَاءِ مَثْنٍ عَلَى الْجَرَاءِ أَصْبَحَ غَيْرَ خَوَّانِ
أَطْلَ الْمَقْصُورِ وَلَمْ تَخْفَ تَوَائِمُهُ فَتَحْسِبُ عَيْنَيْكَ فِي طَلْعَاتِ رَيَّانِ
ثُمَّ قَالَ لِي: مَا هٰذَا الشِّعْرُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: هٰذَا الْاِسْتِطْرَادُ! أَوْ قَالَ: «الْاِسْتِطْرَادُ». قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى ذٰلِكَ؟ قَالَ: يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ وَصْفَ الْفَرَسِ وَهُوَ يُرِيدُ هِجَاءَ عُثْمَانَ.
وَقَالَ ابْنُ رَشِيقٍ: «الاِسْتِطْرَادُ أَنْ يَبْنِيَ الشَّاعِرُ كَلَامًا كَثِيرًا عَلَى لَفْظَةٍ مِنْ غَيْرِ ذٰلِكَ النَّوْعِ يَقْطَعُ عَلَيْهَا الْكَلَامَ، وَهِيَ مُرَادَةٌ دُونَ الْجَمِيعِ جَمِيعَ مَا تَقُومُ وَيَدُورُ إِلَى كَلَامِهِ الأَوَّلِ، وَكَأَنَّهَا غَيْرُ تِلْكَ اللَّفْظَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا اعْتِقَادِ نِيَّةٍ»، وَقَالَ: مِنَ «الاِسْتِطْرَادِ» نَوْعٌ يُسَمَّى «الإِدْمَاجَ» كَقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ: [ الطَّوِيلِ ]
أَجِي الْفَخْرَ مِنْ أَسْبَابِنَا فِي قَبِيلِنَا وَأَسْمَنَّا فِي الْعَافِينَ عِنْدَكُمُ
فَفَعَلْتَ لَنَا نِعْمَةً فِيهِمْ أَبَيْتَهَا دَعَوْا أَمْرَنَا إِنَّ الْهُمَامَ الْمُقَدَّمَا
وَسَمَّاهُ الاِسْتِطْرَادَ أَيْضًا: التَّبْرِيزِيُّ وَالْمُغْنَذَاذِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ. وَذَكَرَ الْمِصْرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُنْظَمْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾(١) وَقَالَ: فَمَنْ ظَفِرَ فِيهِ نَبِيٌّ، فَهُوَ الْمُحْسِنُ بِإِلْحَاقِهِ فِي بَابِهِ.
وَكَذٰلِكَ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِيمَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ: «إِنَّ الاِسْتِطْرَادَ قَلِيلٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَأَكْثَرَ مَا يَكُونُ فِي الشِّعْرِ، وَأَكْثَرَ فِي الْخُطَبَاءِ»، وَذَكَرَ الآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الذِّكْرِ. غَيْرَ أَنَّ الْعَسْكَرِيَّ وَالزَّمَخْشَرِيَّ وَالسُّيُوطِيَّ، ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِأُسْلُوبِ الاِسْتِطْرَادِ أَمْثِلَةً فِي كِتَابِ اللهِ الْخَالِدِ غَيْرَ مَا ذَكَرَ الْمِصْرِيُّ وَهِيَ آيَةُ ٣٩ مِنْ سُورَةِ فُصِّلَتْ، وَآيَةُ ٢٦ مِنْ (١) سُورَةِ هُودٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٥). سُورَةِ الأَعْرَافِ، وَآيَةٍ رَقْمَ ١٧٢ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَعَقَّبَ المُظَفَّرُ العَلَوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَمَعْنَى الِاسْتِطْرَادِ خُرُوجُ الشَّاعِرِ مِنْ ذَمٍّ إِلَى مَدْحٍ، أَوْ مِنْ مَدْحٍ إِلَى ذَمٍّ، وَبِمَا قَالَ القُرْطَاجَنِّيُّ: «وَأَصْلُ البَدِيعِ يَسِيرٌ، مَا كَانَ الخُرُوجُ فِيهِ يَتَبَرَّجُ تَخَلُّصًا، وَمَا لَمْ يَكُنْ يَتَبَرَّجُ وَلَا مَجْرًى، وَلٰكِنْ بِانْعِطَافٍ طَارِئٍ عَلَى جِهَةٍ مِنَ الِالْتِفَاتِ اسْتِطْرَادًا»، وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: [الْكَامِلِ]
إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي فَقَدْ شَرِبْتِ بِمُدْنَفٍ مَجْرُوحِ
وَلٰكِنِ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ لَا يَعْتَبِرُ قَوْلَ حَسَّانَ مِنْ بَابِ الِاسْتِطْرَادِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ «تَخَلُّصًا»، وَعَلَّلَ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الِاسْتِطْرَادَ يُشْتَرَطُ فِيهِ العَوْدُ إِلَى الكَلَامِ الأَوَّلِ، وَحَسَّانُ لَمْ يَعُدْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَدْحِ.
وَتَابِعَهُ السُّيُوطِيُّ وَالْحَمَوِيُّ عَلَى القَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْمُسْتَطْرَدِ بِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ، فَإِنْ تَرْجِعِ إِلَيْهِ الأَوَّلُ وَيَنْقَطِعِ الكَلَامُ تَكُونُ الْمُسْتَطْرَدَ بِهِ آخِرَ كَلَامِكَ. هٰذَا مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حِجَّةَ، وَحَدَّهُ صَاحِبُ «الْإِيضَاحِ» أَنَّ الِاسْتِطْرَادَ: أَنْ يَجِيءَ فَنٌّ مِنَ الْفُنُونِ فِيهِ الْغَرَضُ، بَعْدَمَا بَدَا فِيهِ الْإِيجَازُ، فَإِنَّهُ قَالَ: «الِاسْتِطْرَادُ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَتَّصِلُ بِهِ، ثُمَّ يُقْطَعُ ذِكْرُ الأَوَّلِ وَيُتْرَكُ إِلَى الثَّانِي»، ثُمَّ قَوْلُهُ: هٰذَا هُوَ الْقَصْدُ وَعَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الكَلَامِ الْكَثِيرِ. وَذَكَرَ ابْنُ الأَمِيرِ أَنَّ الِاسْتِطْرَادَ: «هُوَ الخُرُوجُ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى»، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهُ قَالَ: «هُوَ أَنْ يَكُونَ المُتَكَلَّمُ فِي مَعْنًى فَيَخْرُجَ مِمَّا بَلَغَ أَسْمَهُ، أَوِ الشَّرْطِ أَوِ الْأَخْبَارِ، أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يُحَقِّقُهُ، مَدْحًا أَوْ هِجَاءً أَوْ وَصْفًا، وَغَالِبًا وُقُوعُهُ فِي الْهِجَاءِ»، وَذَكَرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَمَا أُبْرِئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»(١) كَمَا بَيَّنَتْ نُمُوذَجًا.
غَرِيبٌ أَنَّ الزَّرْكَشِيَّ أَغْرَبَ فِي تَعْرِيفِهِ فَقَالَ: «وَهُوَ التَّعْرِيضُ بِعَيْبِ إِنْسَانٍ بِذِكْرِ عَيْبِ غَيْرِهِ»، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ»(٢)، وَأَخَذَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ تَعْرِيفَهُ هٰذَا مَعَ الْمِثَالِ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ بَيَانَ بَعْضِ السَّلَفِ السَّابِقِينَ.
وَمِنْ أَجْمَلِ الِاسْتِطْرَادِ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ النَّطَّاحِ: [الطَّوِيلِ]
لَتَرْضَيَنْ قَالَتْ ثُمَّ نُجْبِي بِلَوْعَةٍ عَرَضْتُ عَلَيْهَا مَا أَرَدْتُ مِنَ الْمُنَى
(١) سُورَةُ هُودٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٥).
(٢) سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٥). فَقُلْتُ لَهَا هٰذَا التَّشْبِيهُ كُلُّهُ كَمَنْ يُنْتَهِي لِحِمًى لَعَلَّهُ مُغْتَرِبٌ.
فَقَدْ جَمَعَ أَحْسَنَ قِسْمٍ، وَأَبْلَغَ تَخَلُّصٍ، وَأَرْوَعَ اسْتِطْرَادٍ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.