من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
إِثْبَاتُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ
المعنى
إِثْبَاتُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، سَمَّاهُ الْمِصْرِيُّ : إِثْبَاتُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، يُنْفَى عَنْ غَيْرِ ذٰلِكَ الشَّيْءِ، وَعَرَّفَهُ قَائِلًا : «هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ أَنْ يُقِرَّرَ إِنْسَانًا بِصِفَةِ مَدْحٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، يَبْقِي تِلْكَ الصِّفَةَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَإِثْبَاتِهَا لَهُ خَاصَّةً»، وَأَشَارَ السَّبْكِيُّ إِلَى هٰذَا الْفَنِّ وَلَمْ يَعْرِفْهُ، إِلَّا أَنَّهُ مِثْلُ مَا يَقُولُ الْخَطِيبُ فِي أَخْنَاهَا صِفَةً : [ الْبَسِيطُ ]
وَمَا بَلَغْتُ كُنْهَ أَمْرِي مُسْتَقِلًّا مِنَ الْمَجْدِ إِلَّا وَالْفَضْلُ بَلَغْتُ أَطْوَلَ وَمَا نَبْلُغُ الْمَجْهُودَ لِلنَّاسِ سُنَّةً وَإِنْ أُعْطُوا إِلَّا الَّذِي فِيكَ أَفْضَلُ.
وتابَعَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ قَائِلًا : «وَمِنْ هٰذَا الْبَابِ قِسْمٌ يُشْبِهُ فِي النِّسْبَةِ وَالْإِخْبَارِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُنْتَفَى عَنْهُ صِفَاتٌ، فَنَنْفِيَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَبِيٍّ يَضَعُهَا نَفْيًا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ مَا فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ لَهُ، كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . فَنَفَى النُّبُوَّةَ، مُثْبِتًا لَهَا مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ لَهَا مِنْ مَزِيَّةٍ دُونَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ».
سَمَّى هٰذَا النَّوْعَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» : «بَابُ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ»، وَقَالَ إِنَّهُ مِنْ مُسْتَخْرَجَاتِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ لِأَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ تَقْرِيرًا حَسَنًا عَلَى هٰذَا النَّوْعِ : «وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ عَلَى نَفْيِ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةٍ، وَإِثْبَاتِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى»، وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ بِهِ جُرْجَانِيُّوسْ فَرَّحَاتُ فِي كِتَابِهِ فِي بَلَاغَةِ الْعَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ : «هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمَادِحُ إِفْرَادَ مَمْدُوحِهِ بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَيَنْفِيَهَا فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَيُثْبِتُهَا لَهُ خَاصَّةً بَعْدَ ذٰلِكَ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾»(١).
ومِثَالُهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الطَّوِيلُ ]
ضَجِيمُ الْخُطَا لَا يَبْلُغُ الكَلْفَ حُضْرُهَا وَيُبْسِلُ مِنْهَا كُلَّ جَبَّارٍ دَمْلَجِ.
وَأَوْرَدَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ نَفْسَ تَعْرِيفِ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي «خِزَانَةِ الْأَدَبِ» كَقَوْلِهِ : [ الْبَسِيطُ ]
إِجَابَةً بَعْدَ خِطَابٍ لَيْسَ يَسْأَلُنِي وَيَسْأَلُ الحُسْنَ مِنِّي مَنْ هُوَ مُسْتَحِقُّهُ.
إِنَّ مَذْهَبِي الْفَنَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَنٌّ وَاحِدٌ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ الْمِصْرِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَاشِيَةِ، فَقَالَ : «إِنْ قَدْ عَرَفْتَ عَلَى أَنَّ هٰذَا الْبَابَ لَيْسَ تَقَدَّمَنِي فِيهِ أَحَدٌ مِنْ جِهَةِ تَسْمِيَتِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ شَوَاهِدِهِ، فَسَمَّيْتُ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، يَفْنِيهِ عَنْ غَيْرِ ذٰلِكَ الشَّيْءِ، وَتَنْزِلُ بَابَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ بَعْدَ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي أَبْوَابِي مِنْ تَقْدِيمِي»، وَلَكِنَّ الْأَمْثِلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا لِلْفَنِّ وَاحِدَةٌ، وَلِذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ هٰذَا الْفَنُّ مِنْ مُبْتَدَعَاتِهِ، أَوْ مُخْتَلِفًا عَنِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ.
(١) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٣).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.