من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاتِّفَاقُ
المعنى
الِاتِّفَاقُ مِنَ الْفِعْلِ «وَفَقَ»، وَوَفْقُ الشَّيْءِ مَا لَائَمَهُ، وَوَافَقَهُ : طَابَقَهُ، وَاتَّفَقَ مَعَهُ : تَوَافَقَا.
ذَكَرَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ هٰذَا النَّوْعَ يَقُولُ : «الِاتِّفَاقُ عَزِيزُ الْوُقُوعِ جِدًّا، وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ لِلشَّاعِرِ وَاقِعَةٌ، وَأَسْمَاءٌ مُطَابِقَةٌ لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ، تَعْلِمُهَا الْعَيْنُ فِي نَفْسِهَا، إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ إِلَى مَعَانِي الْوَقَائِعِ تَشْتَاقُ، لِأَنَّ النَّاسَ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي سَمَاعِهَا فَضْلٌ لَا يُحْصَى».
كَمَا حَصَلَ لِلشَّاعِرِ الزُّرَّقِيِّ بْنِ أَبِي حَصِينَةَ الْمِصْرِيِّ فِي حُسَامِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ صَاحِبِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ حِينَ قَالَ فِي الْمَدْحِ : [ الْبَسِيطُ ]
عَدُوُّكُمْ لُؤْلُؤٌ فِي الْبَحْرِ مُشْتَهِرٌ وَالدُّرُّ فِي الْبَحْرِ لَا يُخْشَى مِنَ الْخَطَرِ.
وَأَحْسَنُ مِنْ ذٰلِكَ وَأَبْلَغُ مَا اتَّفَقَ لِلشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الْكُوفِيِّ الْوَاعِظِ فِي الْوَزِيرِ مُؤَيَّدِ الدِّينِ ابْنِ الْعَلْقَمِيِّ إِذْ قَالَ : [ الْكَامِلُ ]
يَا عِصْمَةَ الْإِسْلَامِ نَرْجُو وَالطِّي حِرْزًا عَلَى مَا حَلَّ مِنْهُ التَّقْسِيمُ
دُسْتُ الْوِزَارَةِ كَانَ قَبْلَ انْتِسَابِهِ لِابْنِ الْفُرَاتِ فَصَارَ لِابْنِ الْعَلْقَمِ. فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ كَانَا وَزِيرَيْنِ، وَأَنَّ الْمَرْوِيَّ بِهِمَا تَهْرُبٍ.
وَقَدْ سَمَّاهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ وَابْنُ تِيمِ الْجُوزِيَّةِ «الِاتِّفَاقَ وَالِاضْطِرَادَ»، وَغَيْرُهُمَا أَسَامَةُ يَقُولُ : «هُوَ أَنْ يَتَّفِقَ لِلشَّاعِرِ شَيْءٌ لَا يَبْقَى عَاجِلًا كَرَاءً»، وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِ ابْنُ تَيْمِ الْجُوزِيَّةِ.
وَسَمَّاهُ الْمِصْرِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ وَابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ : «الِاتِّفَاقُ»، وَقَالَ الْمِصْرِيُّ : «هُوَ أَنْ تَتَّفِقَ لِلشَّاعِرِ وَاقِعَةٌ تَعْلَمُهَا الْعَيْنُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنَّ النَّفْسَ إِلَى مَعَانِي الْوَقَائِعِ تَشْتَاقُ، لِأَنَّ الْبَصَرَ إِلَى مَعَانِي الْوَقَائِعِ يَشْتَهِي الْوُقُوعَ، وَمَثَلُ قَوْلِ السُّبُوطِيِّ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ لِلشَّاعِرِ أَسْمَاءٌ تَلِيقُ لِمَدْحِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهَا مَدْحًا لِذٰلِكَ الْمَمْدُوحِ وَلَوْ لَمْ تَتَّفِقْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَأَتَّى اسْتِخْرَاجُ ذٰلِكَ الْمَدْحِ، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ : [ الْكَامِلُ ]
عَبَّاسُ عَبْسٍ إِذَا احْتَضَرَ الْوَغَى وَالْفَضْلُ فَضْلٌ وَالرَّبِيعُ رَبِيعُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي هٰذَا الْبَيْتِ، مَعَ لُطْفِ الِاتِّفَاقِ، مَلِيحُ الِازْدِوَاجِ، فِي قَوْلِه : «عَبَّاسُ عَبْسٍ» وَ «الْفَضْلُ فَضْلٌ» وَ «الرَّبِيعُ رَبِيعُ».
وَعَرَّفَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ يَقُولُ : «هٰذَا النَّوْعُ أَنْ يَتَّفِقَ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ، إِلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ لِمَرَّةٍ وَقُوعِهِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَتَّفِقَ لِلْمُتَكَلِّمِ وَاقِعَةٌ، وَأَسْمَاءُ بِطَابِقَتِهَا، إِمَّا مُشَاهَدَةً أَوْ سَمَاعًا».
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذٰلِكَ قَوْلُ ابْنِ تَمَامٍ : [ الطَّوِيلُ ]
لَسْمَى لِسَلْمَى وَعُمْرَةُ عَامِرٍ وَهِنْدُ بْنُ هَيْدٍ وَيُسْعِدُ بْنُ سُعْدَ.
فَاتَّفَقَ لِسَلْمَى وَعُمْرَةَ وَهِنْدٍ وَسَعْدَى، «النِّسَاءُ الدَّاعِيَاتُ، لِرَبْعِ مَحَلَّاتٍ.
وَمِنْ هٰذَا الْفَنِّ الْبَدِيعِ مَا أَتَّفِقَ لِابْنِ حِبَّةَ الْحَمَوِيِّ قَوْلُهُ، وَقَدْ كُسِرَ النِّيلُ فِي شَهْرِ مِسْرَى، وَبَلَغَهُ فِي يَوْمِ الْكِسْرِ أَنَّ نَيْرُوزَ قَدْ وَصَلَ مِنَ الشَّامِ إِلَى عَزَّةَ وَقَصَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ : [ الْكَامِلُ ]
كَسْرَى يُسَفِّرُ نَيْلُ مِصْرَ وَتَنْقَضِي وَحَقَّكَ بَعْدَ الْكِسْرِ أَيَّامٌ نَيْرُوزُ.
الِاتِّفَاقُ الْبَدِيعُ الْغَرِيبُ فِي هٰذَا الْبَيْتِ، أَنَّ كَسْرَ نَيْرُوزَ بَعْدَ كَسْرِ مِسْرَى، وَيُسَمِّيهِ الْمِصْرِيُّونَ الْكِسْرَ النَّيْرُوزِيَّ، وَلَمْ يَبِنْ بَعْدُهُ كَسْرٌ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.