من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
ائْتِلَافُ الْوَزْنِ مَعَ الْمَعْنَى
المعنى
وَهٰذِهِ تَسْمِيَةُ ابْنِ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ. هٰذَا النَّوْعُ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ صَحِيحَ الْمَعْنَى مُسْتَقِيمَ الْوَزْنِ لَا يَضْطَرَّ الشَّاعِرُ فِيهِ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ إِلَى إِخْرَاجِ الْمَعْنَى عَنْ وَجْهِ الصِّحَّةِ، أَوْ تَقْدِيمِهِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، أَوْ حَذْفِهِ. وَمِثَالُهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
وَالصُّورَةُ صِحَّ الْمَعْنَى تَأَلَّفَتْ فِي مَصْنَعِهِ فَقَضَى فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ.
فَإِنَّ الْوَزْنَ وَالْمَعْنَى فِي بَيْتِ الْحَمَوِيِّ فِي غَايَةِ الِائْتِلَافِ.
وَقَدْ تَحَدَّثَ حَازِمٌ الْقَرْطَاجَنِيُّ عَنْ صِلَةِ الْوَزْنِ بِالْمَعْنَى، فَقَالَ : إِنَّ الْأَعَارِيضَ اعْتِبَارًا مِنْ جِهَةٍ تَالِيَةٍ بَعْضُهَا مِنَ الْأَغْرَاضِ، فَفِيهَا أَعَارِيضُ ضَخْمَةٌ تَصْلُحُ لِلْفَخْمِ، وَبَعْضُهَا أَعَارِيضُ رَقِيقَةٌ تَصْلُحُ لِإِظْهَارِ الْحُزْنِ، وَعَلَى هٰذَا الْأَسَاسِ قَسَمَ أَوْزَانَ الشِّعْرِ إِلَى الْبَسِيطِ، وَالطَّوِيلِ، وَالشَّدِيدِ، وَالَّذِي بَيْنَ بَيْنِ. وَيَقُومُ هٰذَا التَّقْسِيمُ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ. وَهٰذِهِ الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ لَهَا مِيزَةٌ فِي السَّمْعِ، وَصِفَةٌ أَوْ صِفَاتٌ تَخُصُّهَا مِنْ جِهَةٍ مَا يُوجِدُهَا مِنْ رِضًى فِي السَّمْعِ، وَمِنْ جِهَةٍ مَا يُوجَدُ لَهُ بَسَاطَةٌ وَسُهُولَةٌ وَغَيْرُهُ. وَلَمَّا كَانَتْ أَغْرَاضُ الشِّعْرِ مُخْتَلِفَةً، وَجَبَ أَنْ تُحَاكِيَ تِلْكَ الْأَغْرَاضَ وَالْمَقَاصِدَ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْأَوْزَانِ. وَأَعْلَى الْبُحُورِ دَرَجَةً الطَّوِيلُ وَالْبَسِيطُ، وَيَلِيهِمَا الْوَافِرُ وَالْكَامِلُ، وَمَجَالُ الشَّاعِرِ الْكَامِلِ أَوْسَعُ مِمَّا فِي غَيْرِهِمَا، وَيَلِيهِمَا ذٰلِكَ الْخَفِيفُ. أَمَّا الْمَدِيدُ وَالرَّمَلُ، فَفِيهِمَا ضَعْفٌ وَلِينٌ، وَفِي الْمُتَرَسِّلِ فِيهِمَا اضْطِرَابٌ وَتَقَلْقُلٌ، وَفِي السَّرِيعِ وَالرَّجَزِ كَزَازَةٌ، وَفِي الْمُقْتَضَبِ سَجَاحَةٌ لِتَكَرُّرِ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ حُسْنُ الْأَفْرَادِ، وَفِي الْهَزَجِ سَنَاجَةٌ وَحْدَةٌ، وَفِي الْمُجْتَثِّ وَالْمُقْتَضَبِ حَلَاوَةٌ قَلِيلَةٌ عَلَى طَبْخِ شَيْئِهِمَا، وَفِي الْمُضَارِعِ فَتْحٌ، وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَاغَ الشِّعْرُ فِي الْوَزْنِ الَّذِي يُلَائِمُ مَعْنَاهُ.
الابْتِدَاء
ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَهُوَ افْتِتَاحُهُ، قَدَّمَهُ فِي الْعَمَلِ، وَفَضَّلَهُ. أَشَارَ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ إِلَى أَنَّ الشَّاعِرَ أَوِ الْخَطِيبَ يَجْدُرُ بِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي كَلَامِهِ حَتَّى يَكُونَ أَعْذَبَ لَفْظًا وَأَحْسَنَ سَبْكًا وَأَوْضَحَ مَعْنًى، وَهِيَ : الِابْتِدَاءُ، وَالتَّخَلُّصُ، وَالِانْتِهَاءُ.
وَالِابْتِدَاءُ أَنْ يَكُونَ مَطْلَعُ الْكَلَامِ شِعْرًا أَوْ نَثْرًا أَبْيَنَ بَيَانٍ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَقَعُ السَّمْعُ مِنَ السَّامِعِ عَلَى الْكَلَامِ وَيَعِيَهُ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذٰلِكَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَنَفَرَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
وَقَدِ اسْتَحْسَنَ الْعُلَمَاءُ مَطْلَعَ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ : [ الطَّوِيلُ ]
كِلِينِي لَهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ
وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بِطِيءِ الْكَوَاكِبِ.
وَمِنَ الِابْتِدَاءَاتِ الْبَارِعَةِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ : [ الطَّوِيلُ ]
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ
بَعِيدُ الشَّبَابِ عَصْرُ حَانَ مَشِيبُ.
وَكَذٰلِكَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الطَّوِيلُ ]
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ.
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ : [ الْبَسِيطُ ]
أَنَا مُحْتَرِقٌ فَاسْأَلْ هَلْ أَهْلُ الطَّلَلِ
وَإِنْ لَبِثْتُ وَإِنْ أَعْيَا بِكَ الْأَمَلُ.
وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ، وَقَالُوا : لَمْ يَبْتَدِئْ أَحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ بِأَحْسَنَ مِمَّا ابْتَدَأَ بِهِ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ، لِأَنَّهُ افْتَتَحَ الْمَرْثِيَّةَ بِلَفْظٍ يُطْلَقُ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي هٰذِهِ الْقَصِيدَةِ، فَأَشْرَكَ بِإِرَادَتِهِ فِي أَوَّلِ بَيْتٍ - وَهُوَ : [ الْمُنْسَرِحُ ]
أَيُّهَا النَّوْمُ أَجْمِلِي جَزَعًا
إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِينِ قَدْ وَقَعَا.
وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ : [ الْكَامِلُ ]
أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ
وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ. فَقَدِ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى غَرَضِهِ، وَمِثْلُ هٰذِهِ الِابْتِدَاعَاتِ كَثِيرٌ مِنْ شِعْرِ الْقُدَمَاءِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّى هٰذَا الْفَنَّ : «حُسْنَ الْمَطْلَعِ وَالْمَبَادِيءَ» كَالْقَاضِي التَّنُوخِيِّ، الَّذِي عَقَدَ فَصْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى ابْتِدَاءَاتِ الْمُتَنِي الْحَسَنَةِ، وَابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الَّذِي قَالَ عَنْهُ : «وَذٰلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوْدَةِ اللِّسَانِ، وَبَلَاغَةِ الْمَعَانِي فِي الْأَذْهَانِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ يَدْخُلُ الْأُذُنَ، وَأَوَّلُ مَعْنًى يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ، وَأَوَّلُ مَعْنًى يَدْعُو فِي بَحْرَتِهِ إِلَى تَدَبُّرِ الْبَاقِي»، وَقَسَمَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلِ : حِسِّيٍّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(١)، وَالثَّانِي : مَعْنَوِيٍّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ذٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾(٢)، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذٰلِكَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.