من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
ائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى
المعنى
نَصَحَ بِشْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ فِي صَحِيفَتِهِ بِهٰذَا الْفَنِّ، فَقَالَ : « وَمَنْ أَرَادَ مَعْنًى شَرِيفًا، فَلْيَلْتَمِسْ لَهُ لَفْظًا كَرِيمًا، فَإِنَّ حَقَّ الْمَعْنَى الشَّرِيفِ اللَّفْظُ الشَّرِيفُ ». وَقَالَ الْجَاحِظُ : « لا أَرَى أَحَدًا يَزْعُمُ أَنَّ يُسَخِّفَ الأَلْفَاظَ مَشَاكِلُ تَسْتَخِفُّ الْمَعَانِيَ »، وَقَالَ مَعْنِيًّا : « وَلِكُلِّ ضَرْبٍ مِنَ الْجَدَلِ ضَرْبٌ مِنَ اللَّفْظِ، وَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعَانِي نَوْعٌ مِنَ الأَسْمَاءِ، فَالسَّخِيفُ لِلسَّخِيفِ، وَالْخَفِيفُ لِلْخَفِيفِ، وَالْجَزْلُ لِلْجَزْلِ »، وَهٰذَا هُوَ انْتِسَابٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَقَدْ سَمَّاهُ قُدَامَةُ : « ائْتِلَافَ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى ». وَأَشَارَ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيُّ إِلَى هٰذَا اللَّوْنِ مِنَ الائْتِلَافِ، فَقَالَ : « لا آمُرُكَ بِإِجْرَاءِ أَنْوَاعِ الشِّعْرِ كُلِّهِ مَجْرًى وَاحِدًا، وَلَا أَنْ تَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ مَذْهَبًا وَاحِدًا، بَلْ أَرَى لَكَ أَنْ تُقَسِّمَ الأَلْفَاظَ عَلَى رُتَبِ الْمَعَانِي ». وَقَالَ الْبَزْرُوقِيُّ فِي مُشَاكَلَةِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى : « يُعْتَبَرُ مُشَاكَلَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى شِدَّةَ اقْتِضَائِهِمَا لِلْمُلَاءَمَةِ، طُولَ الدُّرْبَةِ وَدَوَامَ الْمُدَارَسَةِ، فَإِذَا حُكِمَ بِحُسْنِ التَّلَابُسِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، لَا اجْتِنَاءَ فِي خِلَافِهَا وَلَا نَبْوِ، وَلَا زِيَادَةَ فِيهَا وَلَا تَقْصِيرِ، وَكَانَ اللَّفْظُ مَقْسُومًا عَلَى رُتَبِ الْمَعَانِي، فَقَدْ جَعَلَ الأَخَصَّ لِلْأَخَصِّ، وَالأَخَسَّ لِلْأَخَسِّ، فَهُوَ الْبَرِيءُ مِنَ الْعَيْبِ ». وَأَشَارَ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ إِلَيْهِ فَقَالَ : « وَتَلْخِيصُ مَعْنَى هٰذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنْ تَكُونَ أَلْفَاظُ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظَةٌ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِذٰلِكَ الْمَعْنَى ». وَمِنْهُ فِي ائْتِلَافِ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
تَأَلَّفَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى بِفَضْلَتِهِ وَالْجِسْمُ عِنْدِي يُغْنِي الرُّوحَ لَمْ يُتَّهَمِ.
وَذَكَرَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ ائْتِلَافَ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى وَتَرْجَمَهُ مُفْرَدًا، لَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ مَعْنَاهُ.
وَمِنَ الأَلْفَاظِ الْمُلَائِمَةِ لِلْمَعْنَى قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : [ الطَّوِيلُ ]
أَتَانِي سِمَاطٌ مِنْ مُعَرِّسٍ مُبْتَلٍّ وَنُؤْيًا كَجَمْرِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ
فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبِّهَا أَلَا انْعِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الدَّارُ وَاسْلَمِي.
فَإِنَّ زُهَيْرًا أَرَادَ تَرْكِيبَ الْبَيْتِ الأَوَّلِ، وَالثَّانِي مِنْ أَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى غَرِيبٍ، لَكِنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ غَرِيبٍ، فَرَكَّبَهُمَا مِنْ أَلْفَاظٍ مُتَوَسِّطَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ، عَلَى مُقْتَضَى الْمَعْنَى. وَقَالَ الْعَلَوِيُّ : « هُوَ أَنْ تَكُونَ الأَلْفَاظُ لَائِقَةً بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَمُنَاسِبَةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى فَخْمًا، كَانَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لَهُ جَزْلًا، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى رَقِيقًا، كَانَ اللَّفْظُ رَقِيقًا، يُطَابِقُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، وَهُمَا إِذَا خَرَجَا عَلَى هٰذَا الْمَخْرَجِ، وَتَلَاءَمَا هٰذِهِ الْمُلَاءَمَةَ، وَقَعَا مِنَ الْبَلَاغَةِ أَحْسَنَ مَوْقِعٍ ... ».
وَيَجْرِي الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَلَى هٰذَا الأُسْلُوبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ تُعْدِلُ سُبْحَانَهُ عَنِ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ آدَمُ مِنْهُ كَمَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ مَجْمُوعُ التُّرَابِ وَالْمَاءِ، إِلَى ذِكْرِ مُجَرَّدِ التُّرَابِ، لِأَنَّهُ أَدَلُّ لِلْخَصْمِ، لِمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مُقَابَلَةَ ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْمَسِيحِ الإِلٰهِيَّةِ، بِمَا يُصَغِّرُ أَمْرَ خَلْقِهِ عِنْدَ مَنْ يَدَّعِي ذٰلِكَ، فَلِهٰذَا كَانَ الإِبَانُ بِلَفْظَةِ التُّرَابِ أَمْنَعَ لِلْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الأَلْفَاظِ. فَائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى أَسَاسُ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، وَيَصِحُّ ذٰلِكَ فِي شِعْرِ الْفُحُولِ مِنْ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ، أَمَّا صُنَّاعُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بَعْدًا عَنْ هٰذَا الْفَنِّ الْبَدِيعِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ الْمُوصِلِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
تُؤَلِّفُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى قَصَائِدُهُ تَبَارَكَ اللَّهُ مُنْشِئَ السِّحْرِ فِي الْكَلِمِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.