من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
ائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ اللَّفْظِ
المعنى
ائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ اللَّفْظِ: ائْتِلَافُ اللَّفْظِ، مَا يُلْفَظُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْكَلِمَاتُ الْمُتَمَكِّنَةُ فِي مَكَانِهَا فِي مُنَاسَبَةٍ فِي مَوْضِعِهَا، غَيْرَ نَازِقَةٍ وَلَا قَلِقَةٍ. ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ اخْتِلَافَ اللَّفْظِ مَعَ اللَّفْظِ يَقُولُ: « هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْ عِدَّةِ أَلْفَاظٍ، فَيُخْتَارُ مِنْهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ الْكَلَامِ اشْتِرَاكٌ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوِ الْمُلَابَسَةِ الْمُرَادَةِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ».
أَمَّا الْعَضُدِيُّ فَعَرَّفَهُ يَقُولُ: « هُوَ أَنْ تُرِيدَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي تَصِحُّ تَأْدِيَتُهُ بِلَفْظَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنَّكَ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا لِمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ ».
وَقَالَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ: « هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ هَذَا النَّوْعُ، وَيُؤْخَذُ عِدَّةُ أَلْفَاظٍ، فَيُخْتَارُ مِنْهَا لَفْظَةٌ بِهَا يَكُونُ بَيْنَ الْكَلَامِ ائْتِلَافٌ ». وَكَذَلِكَ قَالَ السُّيُوطِيُّ: « أَنْ تَكُونَ الأَلْفَاظُ كُلُّهَا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بِأَنْ يُفْرَقَ الْغَرِيبُ بِمِثْلِهِ وَالْمُتَدَاوَلُ بِمِثْلِهِ، وَرِعَايَةُ الْحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْمُنَاسَبَةِ ».
كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [ الطَّوِيلُ ]
أُحِبُّكَ يَا شَمْسَ النَّهَارِ وَبَعْدَهُ ... وَإِنْ لَامَنِي فِيكَ السُّهَى وَالْفَرْقَدُ
فَقَدْ أَتَى الْمُتَنَبِّي فِي هَذَا الْبَيْتِ بِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ لَفْظُ بَيْنَ « الشَّمْسِ وَالنَّهَارِ »، وَبَيْنَ « الْبَدْرِ وَالسُّهَى وَالْفَرْقَدِ ».
وَتَحَدَّثَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ عَنْهُ قَائِلًا: إِنَّ لِهَذَا النَّوْعِ تَعْرِيفَيْنِ:
أَوَّلًا: مَا ذَكَرَهُ مُحِي الدِّينِ الْحَلَبِيُّ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْبَدِيعِيَّاتِ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَعْنًى يَصِحُّ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْ عِدَّةِ مَعَانٍ، فَيُخْتَارُ مِنْهَا مَا بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَيْنَ بَعْضِ الْكَلَامِ
ائْتِلَافٌ وَمُلَاءَمَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحَدَ سَدَّ مَسَدَّهُ »، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْخَفِيفُ ]
كَأَنَّمَا الْحَظُّ بِالْأَرْضِ ــــــ ــــــ هُمُ مِبْرَةٌ بِلا الآثَارِ
إِنْ تَشَبَّهِ الإِبِلَ بِالْقَيْسِ تَبَرًّا عَنْ نَزَالِهَا يُمْكِنْ مَعَهُ وَصْفُهَا بِالرَّاجِحِينَ، أَوِ الأَهِلَّةِ، وَالأَطْبَاقِ وَنَحْوِهَا، وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ تَشْبِيهَهَا بِالأَسْمِ وَالآثَارِ، لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَيْسِ مِنَ الائْتِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَالْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
وَثَانِيًا: مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾(١) يَأْتِي بِجَمِيعِ الأَلْفَاظِ مُتَدَاوَلَةٍ، لَا غَرَابَةَ فِيهَا، رَغْبَةً فِيهَا فِي اخْتِلَافِ الأَلْفَاظِ لِتَعَادُلِ فِي الْوَضْعِ، وَتَنَاسُبِ فِي النَّظْمِ.
(١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمَ (٥٣).
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيِّ : [ الطَّوِيلُ ]
أَصَحُّ وَأَقْوَى مَا رَأَيْنَاهُ فِي النَّدَى ... مِنَ الْخَيْرِ مَأْثُورًا مُفَدًّى قَدِيمُ
أَحَادِيثُ تَرْوِيهَا السُّيُولُ عَنِ الْحَيَا ... عَنِ الْبَحْرِ عَنْ جُودِ الأَمِيرِ تَنْمِيمُ
فَلائِمٌ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ، لأَنَّهَا كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي انْتِظَامِهَا، وَالأَحَادِيثُ مُتَقَارِبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهَا بِقَوْلِهِ السُّيُولُ، وَعَفَّى بِالْحَيَا، لأَنَّ السُّيُولَ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْبَحْرِ لأَنَّهُ يَقْرُبُ مِنَ السَّيْلِ، ثُمَّ تَبِعَ بَعْدَ ذٰلِكَ يَقُولُ : عَنْ جُودِ الأَمِيرِ تَنْمِيمُ، فَهٰذِهِ الأُمُورُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، فَالأَدْخَلُ هٰذَا لَازِمٌ بِهَا فِي تَأْلِيفِ الأَلْفَاظِ، فَضَمَّ الْكَلَامَ بِهَا مُؤْتَلِفَ النَّسْجِ مُحْكَمَ السَّدَى.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.